ولا ينبغي الظنّ أن هذه العفوية جاءت من فراغ، ومن لا شيء؛ وإنما هي حصيلة التربية والتغذية المتواصلة، والتعبئة العامة والضخ المستمر - وبقوة - وبلا انقطاع في هذا الاتجاه والذي يقوم بها سدنة هذه الطائفة ويتعاهدونها ليلًا ونهارًا حتى تؤتي أُكلها وتنضج ثمارها على نار العواطف الهائجة التي ينفخون فيها كل حين؛ في خطبهم ومواعظهم وتوجيهاتهم وإرشاداتهم، وتسهم - اليوم - كلّ وسائل الإعلام والنشر المرئية والمسموعة والمقروءة في غرزها وترسيخها وبنائها في القلوب والنفوس، فلا يجد الشيعي نفسه إلا منساقًا تلقائيًا لمقتضياتها متمثلة بتلك الأقوال والأعمال الشركية التي لا يجد فيها أيَّ غضاضة؛ لأنها عنده من معاني الولاء والمحبة للأئمة؛ انسجامًا مع معطيات تلك العقيدة الغالية المغروزة في القلوب للإمام وولايته والتي يعتقد الإمامي - بموجبها- في إمامه ما يعتقده الموحّد في ربه عز وجل.
قال لي شاهد عيان وكان شيعيًا تحول - هو وأخوته - إلى أهل السنّة الجماعة، فأرادت عشيرته أن تقصيه من العشيرة بسبب ذلك؛ قال: اجتمعتْ عشيرتي لهذا الغرض وحدث سجال طويل بيننا وبينهم، وأخبرناهم بأننا لا زلنا على محبة أهل البيت وموالاتهم، فأثار بعضُهم قضية الدعاء وهل ندعوهم أم لا؟ وقد جعل ذلك فيصلًا في صدق محبتنا وموالاتنا لهم، فطال بنا المقام، وفي أثنائه انبرى أحد الشيعة الحاضرين وفاجأنا بمداخلته مخاطبًا عشيرته وأهل الجاه منهم دون سابقة، قال ـ وهو ينقل واقعهم بوضوح وصراحة: يا جماعة، أنا حين أسمع شيوخنا وسادتنا وهم يتحدثون عن أهل البيت وعن الإمام عليّ والأئمة؛ فإني لا أرى فرقا بينهم وبين الله تعالى لأن هذا هو الذي أفهمه من كلامهم؛ لا ... بل هو الذي يدل عليه كلامهم، وقد استقبل الحاضرون كلامه هذا ببرود دون نكارة ولا مراجعة ولا استدراك، فتأمل.