وفوق هذا وذاك، فللإمام الولايات التي ليست لغيره؛ وأعظم هذه الولايات وأخطرها الولاية التكوينية وهي التي تنقطع دونها الأعناق، ولا يسعها نبي مرسل ولا مَلَك مقرب، وندخل بعدها في المتاهات والمجاهيل والدهاليز والمتاريس المظلمة التي لا نخرج منها بشيء، غير رداء الربوبية متشحًا به الإمام ومتسربلًا به، وتصير جميع ذرات الكون من الذرة إلى الذروة ـ بموجبها - خاضعة لولايته وسيطرته، وتحت تصرفه وقهره وسلطانه؛ عياذًا بالله من ذلك، تليها الولاية التشريعية التي يشرع - بموجبها - الإمام ما يشاء من الأحكام، فيحلّ ما يشاء ويحرّم ما يشاء تفويضًا وتوكيلًا من الله بزعمهم.
وبمقتضى هذه الولاية يصير مُلك الله تعالى وملكوته ومملكته وشؤون خلقه جميعها تحت تصرف الإمام وتدبيره.
والإمامي ـ وهو يستعرض بعض ما للإمام من تلك المقامات الفارعة، وقد امتلأ بها جوفُه وفؤادُه وانتفخت بها أوداجُه ـ يختمها - وباستحياء وقلق - بخاتمة باردة متلجلجة وبغصة عميقة وحسرة حبيسة فيقول: (كل ذلك بإذن الله) ويجتر الكلمة اجترارًا؛ لأنها تخرج من نفس مرتابة دفعتها ظروف التقية وملابساتها إلى النطق بها لدفع معرّة الغلو فحسب.
وفي ضَوء ذلك؛ فالحصيلة التي ننتهي إليها من هذا التطواف: أن الإمامية لا يختلفون - محتوىً ومعنى - عن المفوِّضة [2] الذين يلعنونهم؛ لأنهم في النتيجة سواء، فهم متفقون معهم في كلّ الخصائص والمقامات التي يثبتونها للأئمة، وأهمها وأعظمها: الولاية التكوينية والولاية التشريعية، والتي بموجبها - كما أسلفنا - فوّض اللهُ تعالى للإمام تدبير شؤون مملكته إيجادًا وإعدادًا وإمدادًا، كونًا وقدرًا، وكذا فوّض إليه تدبيرها شرعًا وحكمًا ونظامًا، ويصير بعدها قوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ... } [الأعراف، آية: 54] حقًا خالصًا للإمام تفويضًا وتوكيلًا.