ويُمكن القولُ: إن الرؤية الشيعية - طبقا للرؤية الإيرانية- للماضي والمستقبل لا تختلف في بُنيَتها عن الرؤية الحلولية الصوفية (=التلبُّس والاتحاد) ، فتاريخ الشيعة يجب أن يتدخَّل الله فيه بشكل مكثَّف، ما يعني أن التِحَامَ العالَمَيَن المُتَوَازيَين لابد لهما من «تخطيط إلهي» -على تعبير محمد الصدر ( [15] ) -؛ وبهذا تتحول المراجع العظمى (=المجتهدون) عمليا إلى جماعة من المعصومين، وسائر المؤمنين (=المقلّدين) لهم تبع، كما يتحوَّل التاريخ الخاص إلى وَحيٍّ مُستمر؛ ولذا، فالشيعة - في عالم الشهادة الموازي لعالم الغيبة- أمةٌ تعيشُ تخطيطا إلهيا منفردا عبر تاريخها المُطَهَّر، في انتظار نجاح التحام العالمين، وانفتاح الأبواب والتحوُّل الجماعي إلى عالم السيادة المطلقة تحت راية «المهدي المنتظر» .
إن هذه الأيديولوجيا تخلق «نفسية إنسانية مُغايرة» ، وتُثمر سلوكا حضاريا يتماهى كلية بين عالم «أفقي أرضي» ، معاكس في الاتجاه تماما لعالم عموم المسلمين «الرأسي السماوي» ؛ الذين يؤمنون بالغيب المنصوص عليه في الكتاب والسنة (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى) ، ويقيمون أركان الإسلام (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا) ، والرابط بين العالمين الرأسيين «الغيب» و «الشهادة» هو الإحسان - كما في حديث جبريل المشهور- (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) .