فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 127

رفع رأسه و أخرج زفيرا حارا كادت روحه تخرج معه، وقال: يا دكتور، لعل حضرتك لا تعرف المذهب الشيعي جيدا. أنا درست في الجامعات المذهبية، وهذا ما وصلت إليه بعد الدراسة و التحقيق و العلم.

كنت أشعر في قرارة نفسي أنه شاب مخلص و صادق. كانت عباراته تدخل إلى القلب مباشرة. ما كنت ترى في ملامح وجهه إلا الصدق و الإخلاص.

لكنني كنت كالملدوغ الذي يخاف من الحبال و يظنها حيات و عقارب! فقد سبق أن زعم كثير من شباب الشيعة أنهم أصبحوا من أهل السنة، فكانوا يدخلون بين الجماعات السنية و يتجسسون عليهم لصالح إيران. فلم أكترث كثيرا بكلام هذا الشاب، و تصنعت بعض الجفاء و قلت له بشيء من الصراحة المصطنعة: يا أخي، أنا لا يهمني من أنت، إن كنت من المخابرات الإيرانية فلك ذلك. و إن كنت رجلا صادقا مخلصا مؤمنا فهذا شأنك. فالحياة عندي أغلى و أعز من أن يضيعها الإنسان بالخيانة و الكذب و الدجل. فسرعان ما نموت و غدا سيتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود و تنكشف الحقائق، و سوف يفضح أمرنا إن كنا كاذبين.

لكنك إن تسمح لي فلي نصيحة أخوية لك: إن كنت صادقا فيما تقول، و أصبحت من أهل السنة و الجماعة، فاعلم بأننا نحن السنة لا نشكو من قلة العدد حتى تزيدنا أنت عددا. و لا ينقصنا العلم و العلماء لنلجأ إليك.

و إن كنت حقا تؤمن بأن قومك مشركون ضلال و قد انحرفوا عن الدين الصحيح، فهم أولى بك منا، و هم أحوج بك. فارجع إلى بلدك و حاول أن تخرج قومك من ضلال الكفر و الشرك إلى نور الإيمان. هذا هو واجبك!

رفع الشاب وجهه، و فجأة وقعت بريق عينيه في عيوني. فرأيت فيهما الصدق و الإيمان، فاستحييت من نفسي و شعرت بشيء من الإحراج، و خفت أن أكون قد ظلمت الرجل بكلامي..

لكنه قال بصوت هادئ وقور: نعم يا أخي، الحق معك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت