فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 127

صليت صلاة العصر في مسجد الجامع، ثم ظللت جالسا في مكاني أذكر الله عز وجل و أقرأ أذكار المساء. شعرت بأن شابا نحيفا، مصفر الوجه و كأنه مريض يحملق في. تقدم قليلا و جلس بجواري. لم ألتفت إليه. رسم ابتسامة حلوة على شفاهه المصفرة النحيلة، وكان رأسه يتحرك من شدة الضعف دون إرادة منه. فقال في هدوء: أولا تعرفني يا دكتور؟

سلمت عليه، و صافحت يديه و كأنني أصافح قطعتين من الخشب البارد. قلت له: عفوا يا أخي، أ كان لي شرف التعرف عليكم سابقا؟!

ابتسم و قال مازحا: والله لم أكن أعرف أنني ازددت جمالا إلى درجة أن الناس لم يعودوا يميزونني. فلله الحمد!

كان يحاول أن يوقف رجفة يديه، لكنه لم يكن يستطيع ذلك. و لما شعر أنني لاحظت رجفة يديه استحيا و حاول أن يخفيهما، فجعلهما وراء ظهره.

سكت قليلا، ثم رفع رأسه و قال: خادمك؛ مرتضى رادمهر! وقد تشرفت بزيارتكم في بيتكم في كراتشي برفقة الأخ مصطفى...

لا أدري ماذا حدث. شعرت بدوخة شديدة في رأسي، و كأن الدنيا انقلبت رأسا على عقب، و في لحظة عادت شريط الذكريات تمور في وجداني، تلك الذكريات المريرة، ذلك الشعور بالذنب، تلك الآمال التي كانت تشدني للقاء هذا الشاب المؤمن. تعرق جسمي بشدة و شعرت بشيء من الرجفة في جسمي.. لا أدري كيف قمت و حضنته.. كيف كنت أقبل وجهه و رأسه كالمجانين.. لم أشعر بنفسي إلا و قد وجدت نفسي؛ أننا تعانقنا و نبكي بكاء الثكالى..

كان المصلون قد انصرفوا. و لم يكن في المسجد أحد. بعض الطلبة كانوا يرمقوننا من بعيد، و يستغربون من بكاءنا...

كانت الدموع تنهمر من عيني، و كنت أرتجف بشدة، قلت: مرتضى! يا رجل ماذا أصابك؟ بالله عليكم أنت مرتضى؟ لا.. لا .. لا والله، لا أستطيع أصدق. هذا ليس شكلك.. تغيرت يا رجل.. لماذا نحفت هكذا. لماذا اصفر لونك. هل أنت مريض؟ يا رجل ماذا فعلت بنفسك..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت