فهرس الكتاب
تمالك نفسه و ابتسم وقال: أعرف جيدا، كنت تظن في كراتشي بأنني جاسوس. و الآن تراني هنا في إيران! فلم يبق أمامك أي شك في اتهامي بالتجسس و العمالة...
لم يكن يقصد بكلامه هذا شيئا، و إنما كان كله صدقا و إخلاصا و بساطة. قلت له: أرجوك لا تؤنبني بكلامك هذا، قل لي؛ ماذا أصابك؟
هنا وصل إلينا صديقي الذي كنت ضيفا عنده، ولاحظ آثار الحزن العميق التي ترسمت على وجهي، فساقنا إلى حجرته في المدرسة الدينية بجوار المسجد.
كان مرتضى يحكي حكاياته، فكان يقول: لم أكن أشعر بالراحة في أرض الهجرة، كنت أقول في نفسي لابد و أن أنجي أسرتي و أصدقائي و جميع شعبي من الضلال، لابد و أن أخرجهم من الشرك و عبادة القبور و البدع، لابد و أن أفتح لهم نافذة نحو النور و التوحيد. و أخيرا قررت أن أخوض تجربة خطيرة و أعود إلى إيران للدعوة. لكن كانت المخابرات علي بالمرصاد، فبعد فترة وجيزة قبضوا علي، و أخذوني إلى سجن مدينة"كرمان".
و أخذ يحكي بعضا مما لاقاه من التعذيب و العذاب في السجون. و كنا نشعر بالخوف و القشعريرة، و يقف الشعر على رؤوسنا من وحشية هؤلاء الجلادين.
لم أكن أتصور يوما ما أن الإنسان قد يصل إلى هذه الدرجة من الذل و الوحشية. ولولا أنني رأيت مرتضى و سمعت هذه الذكريات المؤلمة من فمه و رأيت آثارها على جسمه، فوالله ما كنت أستطيع أن أصدقها أبدا. لم يكن يخطر ببالي قط أن يتجاوز الإنسان الوحوش الضارية و الذئاب الجائعة في افتراس أخيه الإنسان، و يعامله بهذه الوحشية بعيدا عن كل معاني الإنسانية و الأخلاق و الحياء. فأخذت أردد في نفسي أشعار الإمام الشافعي:
نعيب زماننا و العيب فينا ... وما لزماننا عيب سوانا
و ليس الذئب يأكل لحم ذئب ... و يأكل بعضنا بعضا عيانا