فهرس الكتاب
لا يقتصر انحطاط حال المسلمين وانحدار شأنهم على فرقة واحدة من فرقهم، بل يعم الجميع، فقَبْل مئة وخمسين عامًا أو مئتي عام كان المسلمون في كل بقعة وإقليم في الأرض أصحاب سيادة ونفوذ واستقلال، ولكنهم بدؤوا منذ ذلك الزمن يسيرون نحو الانحطاط وتُسلب منهم سيادتهم ويصبحوا أتباعًا ورعايا لغيرهم وعبيدًا يحملون الأثقال لأعداء دينهم. ويشترك في هذا الانحطاط وزوال السيادة جميع المنتمين للإسلام. إذن لا بد أن يكون السبب أمرًا مشتركًا واحدًا، وليس سوى ترك المسلمين للعمل بسياسات الإسلام الراشدة التي كانت في الأربعين سنة الأولى بعد رحلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم بدأت بالتغير بعد ذلك (وتوضيح هذا الأمر من أهداف رسالتنا وسيأتي لاحقًا) . ولما كانت فرق الإسلام الخمس شريكة في هذا الأمر فإن مخاطبنا هو جميع المسلمين وليس فرقة خاصة منهم.
لا ريب أن المسلمين فقدوا السيادة والرفعة على سائر الأمم، مع أن السيادة والرفعة من خصائص ولوازم الإيمان والإسلام للإنسان المسلم، وأصبحت التبعيّة والخضوع للآخرين الصفة الجامعة للمسلمين في جميع البقاع الإسلامية، حيث نجد أن ثلاثمئة مليون مسلم اليوم [1] محكومون للأجانب وتشملهم هذه التبعية جميعًا، وإذا وجدنا استقلالًا صوريًا في بعض البلدان الإسلامية السبب الحقيقي لذلك كان تنافس القوى الأجنبية عليها الذي أدى إلى نجاة الفريسة من أيدي الصيادين وليس سببه حسن السياسة الداخلية لتلك البلاد.
(1) كان هذا في زمن المؤلف الذي عاش في القرنين 13 و14 الهجريين (التاسع عشر وبداية العشرين الميلاديين) (1254 - 1355هـ = 1839 - 1936م) ، أما اليوم فقد زاد عدد المسلمين عما ذكره بكثير فأصبح يقارب المليار ونصف.