فهرس الكتاب
أضف إلى ذلك أن لدينا في الكتاب المجيد آيات واضحة في نفي الغلو: قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} (الكهف/110) ، وقال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} (الزمر/30) وقال: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى (8) } (الضحى/6-8) .
هذه الآيات ونظائرها تحدد حقيقة مقام النبوة. في الواقع بعد الدعوى الجزاف للنصارى بحق عيسى (ع) أنه ابن الله، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستطيع أن يدعي الألوهية وكان سيصدقه في ذلك جماعات من الناس، وأحد المؤشرات على هذا الأمر أنه بعد رحلة النبيّ اختلف الأصحاب فقال بعضهم:"إن محمدًا لم يمت وهو حي لا يموت"، ولكن النبيَّ لم يَدَّعِ شيئًا من ذلك بل عرّف نفسه بكل وضوح بأنه عبدٌ لِلَّهِ، وهذا برهان واضحٌ على أن القرآن ليس كلام النبيِّ ذاته بل كلام الله، وطبقًا لقوله: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتلو علينا كل ما ينزل عليه من الآيات بما في ذلك الآيات التي فيها تنبيهٌ له أو عتابٌ أو تأديب، فلو كان الكلام كلامه - كما توهم ذلك بعض الأعداء المغرضين الجاهلين - لما ذكر لنا الآيات التي فيها تأديبٌ له ولما نشرها، وانطلاقًا من هذا الأمر كان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يبين هيمنة الذات الربوبية وجلالها غير المحدود ومقام عبوديته وانقياده الكامل لتلك الذات، كل ذلك طبقًا للمهمة التي بُعِثَ بها، فلم يكتم شيئًا من ذلك، وهذا بحد ذاته دليل تامٌ على حقيقة وصدق صاحب الرسالة - علا قدره وسما شأنه - وعلى أن القرآن المجيد كلام ما وراء الطبيعة وأن مقام الذات الأحدية الأقدس قادر وقاهرٌ وحاكمٌ على الأنبياء والأولياء.