فهرس الكتاب
لأن تلك الجماهير كانت تستطيع باتحادها وتعلُّمها ووعيها أن تدفع شر الأعداء وفي الوقت ذاته أن ترفع مستواها وتصعد بشأن ذاتها، فهذا الإهمال والكسل عملٌ متعمَّدٌ يستند إلى تقصيرها ذاتها، ومثل هذه المظلومية والحرمان ليس له أي أجر عند الله وثواب أخروي ولا تستحق لأجله القصاص الإلهي من أعدائها أو الانتقام الإلهي منهم، لأن هذه الجماهير المتنازعة والمتفرقة إذا اتحدت واتفقت لحفظت حقوقها، ولكنها لما أصرت على تنازعها وتفرقها وجهلها صارت محكومة وخاضعة لغيرها كما حصل ذلك فعلا وسيحصل دائمًا.
ينسب بعض المتدينين تقصير الشعوب المتعمَّد هذا إلى الله ويأمرون الناس دائمًا بدعاء الله والتضرع له، مع أنهم يرون أنهم ملؤوا فضاء عالم الإسلام منذ سنوات مديدة بالدعاء والتضرع ولم يتغير من حالهم شيئًا ولم يُستجب لهم، ورغم ذلك يواصلون سوق الناس إلى علاج لا أثر له ولا نتيجة. إن استبدال العلاج القطعي الذي يقوم على الاتفاق الاختياري بالدعاء والتضرع من العجائب. أجل لو كان خضوع الأمم وانهزامها ومصائبها لا تحصل بسبب سوء اختيارها بل بسبب أمور خارجة عن اختيارها مثل عدم هطول المطر والكوارث السماوية والزلازل، لكان المجال مجال التضرع والدعاء وكان الدعاء قمينٌ بالاستجابة. هذا هو الحق الذي لا ريب فيه.
إن القرآن المجيد ليس كتاب عبادة فقط، بل هو كتابٌ سياسي وحقوقي واجتماعي أيضًا، وقد حرَّمَ الرهبانيةَ وقصّ علينا قصص الأمم الماضين لينبه اللاحقين، وكرَّر القصص لأجل التأكيد والإثبات وتنبيه الجاهلين، وفي الفقه نجد خمسة أبواب للعبادات وخمسة وأربعين بابًا للأمور الاجتماعية السياسية، من المعاملات إلى سائر الحقوق بين الأفراد.