الصفحة 50 من 214

منذ زمن معاوية فما بعد قام جميع سلاطين المسلمين بتعيين وليِّ عهدٍ لهم حسب رغبتهم وهواهم وورث ولي العهد هذا بيت المال كما يرث الإنسان أباه وأمه، وتصرفوا فيه تصرفات غير مشروعة. لقد قضوا على قانون المساواة في الإسلام وأزالوا الأخوة بين المسلمين وبدؤوا أعمال كسرى وقيصر التي اعتبرها القرآن صراحةً نوعًا من الوثنية وراج بينهم الترف والفخفخة والأبَّهة والزخارف التي لا حصر لها والتبذير والإسراف واللهو واللعب والرقص والموسيقى وشرب الخمر ولعب الميسر وممارسة الفحشاء، وعُطلت الحدود الإلهية فلم تعد تطبق، وبعد شهادة علي عليه السلام لم تعد تطبق الحدود على أي شخص من المقربين إلى بلاط الخلافة وأقرباء وأرحام الخليفة، وتُركت بشكل عام جميع الأحكام الشرعية السياسية والعامة للإسلام واقتصر الأمر على بعض الأعمال السهلة غير ذات التأثير كصلاة الجماعة والصوم والأدعية المستحبة وحفظ بعض الآيات لاستخدامها في المناظرات الأدبية في مجالس رياء يغطون بها على أعمالهم، وقد صنعوا بهذه الأعمال حجابًا غليظًا حجب نور الإسلام عن أعين الأعلام وأعطى المجال للناقدين أن يطلقوا ألسنتهم في نقد الإسلام.

لو تمسك أولئك الحكّام بالقرآن المجيد منذ أول يوم لما صار - منذ زمن معاوية فما بعد - أمثال يزيد ومروان بن الحكم أولياء عهد ثم خلفاء، ولما عُطلت الحدود ولما أصبح بيت المال مأكلةً لساكني القصور من الملوك الجبابرة، ولما صُرفت ستون مليون دينار على عرس زبيدة ولما تحول الإسلام إلى تعظيم للأصنام وإلى أعمال وثنية. لقد كانت مراعاة من يتفق مع المؤلف أو العالم في مذهبه ويتحد معه في عقيدته من أغلظ الحجب التي تحجب عنه القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت