فهرس الكتاب
هنا نفهم قصة الخليفة الثالث عثمان وأبو ذر الغفاري: كان الخليفة مشغولًا بالقيام بوظائف الخلافة في قصر دار الحكومة فجاءه شاعرٌ وجلس وابتدأ ينشد الأشعار في مدحه، وكان أبو ذر جالسًا فأخذ شيئًا من الْحَصْبَاءَ الموجودة في الغرفة ورماها في وجه المداح. فقال عثمان متعجبًا: ما شأنك؟! فأجابه أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «احْثُوا فِى وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ.» [1] . ونظرًا إلى ثقة أبي ذر وصدق لهجته تلقَّى الحاضرون هذا الخبر بالقبول، لأن جميع المدائح المغرقة هي في الأساس نوع من الوثنية ونتيجةٌ للطمع واللذة البهيمية والحيوانية. ومن واجب كل نبيٍّ أن يمنع كل شكل من أشكال التعظيم لغير الله والوثنية والأعمال البهيمية والحيوانية. والقرينة والإمارات العقلية يدلان على صحة الحديث والقطع بصدوره من مقام الرسالة الأقدس لأن مضمون هذه الرواية يحيي جانب النطق الذي هو الفصل المميز للإنسان ويميت الجانب الجسمي الحيواني الذي يشكل الجنس المشترك بينه وبين الحيوان.
المقاصد
الفصل الأول:
لا بد أن نذكر هنا ثلاثة أمور:
1-إيجاد العوالم غير المتناهية.
2-هداية الموجودات العاقلة وبيان وظيفتها وتكليفها أي مقام التشريع.
3-بيان خواص الأشياء التي خلقها الله ووضع فيها خواصها، وليس صحيحًا أن الموجودات لا أثر لها ولا خاصية لأن هذا يلزم عنه اللغو في الخلق والإيجاد.
(1) الحديث من دون ذكر القصة: رواه الشيخ الصدوق في الأمالي، ص 426، ورضى الدين الحسن بن الفضل الطبرسى في «مكارم الأخلاق» ، ص 428. ورُوِيَ من طرق أهل السنة مع ذكر القصة مدح الشاعر إلا أن الرامي للمداح بالحصباء لم يكن أبا ذر بل كان المقداد: والحديث أخرجه مسلم في صحيحه (3002) وأبو داود والترمذي وابن ماجه في سننهم، وأحمد في المسند (6/5) .