الصفحة 78 من 214

إن الاشتباه بين تلك المقامات الثلاثة يبعث على الحيرة وقد أدى إلى ضلال أمم وشعوب العالم وعَمَّقَ اختلافَها وقَوَّاهُ. والقضية هي أن حقيقة النبوة لم تُدرك خلال هذا النزاع بل ازدادت حيرة الأمم وضلالها بشأنها يومًا بعد يوم. وتمييز هذا المقام عن غيره وتعريف حقيقة التشريع وفصلها عن مقام الإيجاد وتمييزها عن مرتبة العلوم الاكتسابية أساسٌ للهداية ولزوال أسباب الضلالة، وجميع الرسائل والصحف التي كتبت خلافًا لما حررناه في هذا الفصل ينبغي تركها بل محوها لأن تمييز تلك المقامات الثلاثة عن بعضها روح هداية الأديان، وخلط هذه المقامات ببعضها روح الضلالة!!

إننا نعلم بالحس والتجربة أن جميع من ادُّعِيَت بحقِّهم الألوهية والربوبية والخالقية والبنوَّة لِلَّهِ والعقل المنزَّل وغيرها، كانوا أفرادًا مثل سائر أفراد البشر في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم وقطعوا مراحل التكوُّن العادي في بطون أمهاتهم بالاستفادة من مشيمة الأم إلى أن ولدوا فتغذوا بالرضاعة من حليب أمهاتهم وترعرعوا في أحضانهن حتى وصلوا إلى مرحلة الصبا ثم البلوغ إلى أن بلغوا سن الكهولة ثم مرحلة الشيخوخة والانحطاط وبعدها رحلوا عن عالم الدنيا وصعدوا إلى عالم البرزخ. ويشترك في هذه الأدوار الثلاثة النبات والحيوان مع سائر أفراد الإنسان وليت شعري هل كان أولئك الأفراد يمتلكون القدرة على الخلق وهم في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم أم يمتلكونها لما كانوا ينمون في بطون أمهاتهم أم في سن النموّ أم في سن الانحطاط؟ وأي امتياز بشري أو جسمي كان يميزهم عن سائر أفراد نوعهم حتى صاروا أهلًا للألوهية وقابلين لها؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت