الصفحة 3 من 8

إلا أن القوم قد بالغوا في التبَرُّك بآثار غيرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مبالغةً فَجَّةً.

فمن ذلك ما حكاه الشاطبي: «وَلَقَدْ حَكَى الْفَرْغَانِيُّ مُذَيِّلُ» تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ «عَنِ الْحَلَّاجِ: أَنَّ أَصْحَابَهُ بَالَغُوا فِي التَّبَرُّكِ بِهِ، حَتَّى كَانُوا يَتَمَسَّحُونَ بِبَوْلِهِ، وَيَتَبَخَّرُونَ بِعَذْرَتِهِ! حَتَّى ادَّعَوْا فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا» [11] .

وهذا استدلال باطلٌ شرعًا وعقلًا.

أمَّا شرعًا؛ فلأنه لم يَرِد في الكتاب ولا السُّنة ما يبيح ذلك. كما لم يفعله الصحابةُ مع أحدٍ بعده صلى الله عليه وسلم؛ مع وجود المبشَّرِينَ بالجنة، وعلى رأسهم الشيخانِ، وسيدا شباب أهل الجنة، وغيرُهم كثير.

وقال الشاطبي مبيِّنًا خطأ القوم: «لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَهُ فِي الْأُمَّةِ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَلَا عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، فَهُما كَانَا خَلِيفَتيْن، وَلَمْ يُفْعَلْ بِهِما، ولا بغيرهما شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. بَلِ اقْتَصَرُوا فِيهِمْ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِالْأَفْعَالِ، وَالْأَقْوَالِ، وَالسِّيَرِ الَّتِي اتَّبَعُوا فِيهَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَهُوَ إِذًا إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى تَرْكِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا» [12] .

وأما رَدُّ ذلك عقلًا؛ فلأمور منطقية، أهمها: أنه لا يَعلم ما سيُختَم به للعبد إلا الله عز وجل؛ فقد يكون العبدُ على طريقةٍ حسَنةٍ من العبادة ثم لا يلبث أن ينقَلِبَ على عقبَيْه قبل موته عياذًا بالله.

أو: أن يكون في ظاهره الصلاحُ، بينما هو يعمل طلبًا للدنيا؛ من المال، والرِّياء، والسُّمْعة عياذًا بالله، ولا يَعلم حقيقةَ نية العبد إلا هو وَحْدَه لا شريك له.

فقد يُعجب الناس برجل، ويظنون أنه في أعلى عِلِّيين، بينما هو في أسفل سافلين عياذًا بالله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت