فهرس الكتاب
وقد منع الله تعالى العباد أن يضربوا له الأمثال فقال: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} [النحل/74] ، أشار إلى أنه تعالى يضرب لنفسه ما يشاء من الأمثال أما نحن فلا يجوز أن نقتدي به في ذلك، وقال: {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل/74] ، ثم ضرب لنفسه مثلًا فقال: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا...} [النحل/75] ، وفي هذا إشارة إلى أنه لا يجوز وصف الله تعالى بصفة من صفات البشر إلا ما وصف الله به نفسه.
فائدة التمثيل:
اعلم أن التمثيل أفضل وسيلة لجعل الوهم مسخَّرًا للعقل ومطيعًا له، لأن من طبع الخيال المحاكاة والتشبُّه فإذا ذُكر المعنى وحده أدركه العقل ولكن مع منازعة الخيال، وإذا ذُكر معه الشبه أدركه العقل مع معاونة الخيال، ولا شك أن الثاني يكون أكمل، وأيضًا فنحن نرى أن الإنسان يذكر معنى ولا يلوح له كما ينبغي فإذا ذكر المثال اتضح وصار مبينًا مكشوفًا، فإذا كان التمثيل يفيد زيادة البيان والوضوح، وجب ذكره في الكتاب الذي لا يُراد منه إلا الإيضاح والبيان. فالتمثيل يُزيل الحجاب عن المعقولات الخفية، و يجعلها واضحة للحواس، فيجعل المجهولَ معلومًا والوحشيَّ مألوفًا، لذا كانت عادة الأنبياء أن يُبيِّنوا الحِكَم في بعض المقامات بصورة أمثلة وأن يأتوا بالحقائق العقلية الصعبة بصورة أمثلة حسية، لأن ناحية الحس غالبة لدى أكثر الناس، و لا يمكنهم فهم البراهين العقلية، وأن يجرِّدوا المعاني من ألبسة الصور، فالذين يتمتّعون بذهن صافٍ و عقل كامل ينفذون من المثل إلى الحقائق كما قال تعالى: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا العَالِمُونَ} [العنكبوت/43] .