فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 250

حكى شيشرون في كتابه «بروتوس» إنه بعد سقوط طغاة صقيليا. رفع الأهالي الدعاوي أمام المحاكم ليستردوا ممتلكاتهم التي اغتصبها أولئك الطغاة. فانتشر حينذاك المحامون وتباروا في الفصاحة والخطابة لإقامة الحجة والدليل على صحة دعاويهم. وأعظم من اشتهر منهم «كوراكس» و «تسياس» اللذين كانا أول من فكرا بتدوين الخطب في القرطاس. وحذا حذوهما «بروتغوراس» و «جورجياس» فأعدَّا محلات عمومية يعلّمان فيها الخطابة نظير أجر معلوم واتخذ لقب «سوفوس» مع نعتها «سوفست» أي الإنسان الحكيم الماهر في كل علم، إذ إن من شروط المحامي أن يكون ملمًا بالمعارف المتعددة.

بيد أن لقب «سوفست» (أي السفسطة) تحول معناه الحقيقي وأصبح علمًا على كل مغالط أو مكابر في الحق. لأن المهنة التي اتخذها أولئك السفسطائيون كان من أمرها أن تدافع عن كل دعوى سواء كانت صحيحة أو باطلة. والمحامي في استطاعته أن يأتي بالبراهين ليقنع خصمه بأمر ما. ثم يمكنه أن يدافع ضد ذاك الأمر ببراهين أخرى. وقد نشأ عن ذلك أن تخلل الشك والارتياب أفئدتهم فلم يعترفوا بحقيقة ما، ولما كانوا أقوياء الحجة قام في وجوههم خصوم أكفاء لهم كسقراط وأفلاطون وأرسطو ولقد شبه المؤرخون الجيل الخامس قبل الميلاد بالجيل الثامن عشر المسيحي، والسفسطائيين بالانسكلوبديين» انتهى [1] .

وإذا رجعنا إلى تاريخ الفلسفة رأينا أن مذهب «الشك أو اللاأدرية» كان يظهر في كل عصر من العصور فمثلًا، كان «جورجياس» أحد زعماء السفسطائية يقول: «إننا نشك في وجود الأشياء [أي ربما لا يوجد شيء!] ، وإن كانت الأشياء موجودة فلا سبيل إلى معرفتها. وإن وجد شيء وأمكن معرفته فلا يمكنا تعريفه للآخرين!» .

(1) كتاب «تاريخ الفلسفة من أقدم عصورها حتى الآن» ، حنا أسعد فهمي، ومحمد علي مصطفى، تقديم: محمد فريد وجدي، وطنطاوي جوهري، مصر، المطبعة اليوسفية، 1921م. ص 45 - 46. (تر)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت