فهرس الكتاب
يقول «بيرو» إن خير طريق يسلكه الحكيم أن يسأل نفسه هذه الأسئلة الثلاثة: (أولًا) ما هي هذه الأشياء التي بين أيدينا وكيف تكوّنت؟ (ثانيًا) ما علاقتنا بهذه الأشياء؟ (ثالثًا) ماذا يجب أن يكون موقفنا إزاءها؟ أما السؤال الأول فالإجابة عنه أنا لا نعرفها، إنما نعرف ظواهرها، أما حقيقتها الباطنية فنحن بها جدّ جاهلين، والشيء الواحد يظهر بمظاهر مختلفة للأشخاص المختلفة لهذا كان من المستحيل أن نعرف أي الآراء حق، ومن أوضح الأدلة على ذلك أن آراء العقلاء مختلفة كاختلاف آراء العامة، وكل وجهة نظر يمكن البرهنة على صحتها وتأييدها كنقيضها.
ورأيي مهما كان واضحًا عندي فعكسه واضح عند غيري ومقتنع به اقتناعي، فما عند كل إنسان رأيٌ لا حقيقة، وهذه هي العلاقة بيننا وبين الأشياء، وهو الإجابة عن السؤال الثاني، أما عن السؤال الثالث فيجب أن يكون «الوقف» التام فنحن لا نستطيع أن نتأكد من شيء ولو كان تافهًا، ومن ثم كان أتباع «بيرو» لا يُصدرون على الأشياء أحكامًا قاطعةً، فهم لا يقولون إن الحق كذا، وإنما يقولون «يظهر لنا كذا» و «ربما كان كذا» و «من المحتمل» ونحو ذلك، وكما قالوا ذلك في الأشياء المادية قالوه في الأخلاق وفي القانون، وفي الأشياء المعنوية، فلا شيء في نفسه حق، ولا شيء في ذاته خير أو شر، وإنما هو خير في رأيي أو رأيك أو حسب القانون والعرف - وإذا عرف العاقل ذلك لم يفضِّل شيئًا على آخر، وكانت النتيجة الجمود التام، وعدم العمل، فإن أي عمل إنما هو نتيجة التفضيل، فإذا ذهبت يمينًا أو شمالًا فمعنى ذلك أنى أفضل ذلك لغرض؛ فإذا انعدم هذا التفضيل انعدم العمل، وهو ما يرمي إليه «بيرو» ، فالعمل مؤسس على العقيدة.