فهرس الكتاب
لو تأمل هذا الشخص ذو الهمة الضعيفة والفطرة المنحطّة والنظرة القاصرة وفكر جيدًا لعلم أن بين درجة الكنَّاس والملك منازل ودرجات كثيرة، وأنه إذا كان لا يستطيع الوصول إلى أعلى درجة فلا ينبغي عليه أن يقنع بأسفل درجة بل عليه أن يشد العزم والهمّة لينطلق من أسفل المراتب ليصل إلى أعلى ما يمكنه من مرتبة، فكل مرتبة يصل إليها ستكون مرتبة عزة وسيادة بالنسبة إلى مرتبته الدنيا الحالية، وكذلك فإن درجات السعادة العلمية والعملية متفاوتة فكل من كانت له منزلة من العلم لا ينبغي أن يقول طالما لا أستطيع الوصول إلى جميع الحقائق كلها فعلي أن لا أسعى للعلم أصلًا وأن أقنع بجهلي، بل عليه أن يعمل بقاعدة: «ما لا يُدْرَك كله لا يُتْرَك كله!» .
وخلاصة الكلام إن السفسطائية في كلامهم هذا قد أخطؤوا خطأً فاحشًا وسدُّوا على أنفسهم باب المعرفة وقنعوا برداءة الجهل، كالكناس الذي قنع بمهنة الكنس، نعوذ بالله من الضلال.
وينبغي أن نعلم أن قول السفسطائيين بنفي الحقائق مكابرة للعقل وللحسّ، ويكفي للردّ عليهم أن يُقال لهم: هل قولكم «إنه ليس للأشياء حقيقة» حق أم باطل؟ إن قلتم هو حق فقد أثبتُّم حقيقةً ما ونقضتم قولكم، وإن قلتم هو كلام باطل اعترفتم ببطلان دعواكم أنه ليس للأشياء حقيقة!!
ونقول أيضًا للشكاكين منهم: هل شكُّكُم هذا ثابت وصحيحٌ وحقيقيٌّ أم أنه غير موجود وغير صحيح؟ إن قلتم بل هو موجود وصحيح فقد أثبتُّم حقيقةً من الحقائق، وإن قلتم بل هو غير موجود وغير صحيح فقد أبطلتم شكَّكُم ونفيتموه ومن البديهي أن نفي الشك معناه إثبات الحقائق.