فهرس الكتاب
فإن قيل إن قدرة الإنسان على التفكير تتبدل مع كبر حجم الدماغ أو صغر حجمه كما أن القدرة على الإدراك تتأثر تمامًا بكمال شكل الدماغ (المخ) وتركيبه الكيميائي. قلنا في الجواب: إن هذا الكلام يماثل قولك إن قوة الإبصار لدى الإنسان تقوى وتتأثر بسلامة عضو العين وصحة عمل أجزائها وشكل ومواد تركيبها الكيماوي، وإن السمع يتأثر سلبًا وإيجابًا بصحة وسلامة وكمال أجزاء الأذن ودقة تركيبها أو وجود خلل فيها. لكننا إذا دققنا في الأمر بشكل كامل لرأينا أن حقيقة المبصر ليس هو العين وأن السامع على الحقيقة ليس هو الأذن لأنه يحدث أحيانًا أن تكون العين في قمّة السلامة والصحة ومع ذلك فالإنسان بسبب انشغاله بأمر مهم أو وقوعه في خوف شديد أو ألم مبرح لا يرى ما يوجد أمام عينيه، وكذلك قد تكون الأذن سالمةً صحيحة ولكن الإنسان بسبب انشغاله واستغراقه بأمر مهم، فإنه لا يسمع حتى ولو صُحْتَ به بأعلى صوت.
وقد يُقَال إنه بسبب تأثُّر المخ بالألم والفزع الشديد ينصرف الإنسان عن تمييز المبصرات والمحسوسات، وعدم الإبصار وعدم السمع سببه هذا الانصراف.
لكن هذا الاعتراض في غاية الضعف فإن الإنسان الذي يملك حظ الانتباه من شغل إلى شغل آخر والتوقف عند أمر دون أمر آخر لا يمكننا أن نقول عنه إنه موجودٌ ماديٌ محض، فنحن لو دقَّقنا في الآلات المادية لأدركنا أنها لا تنصرف عن عمل إلى آخر إلا إذا وجد حائل مادي، مثلًا المرآة التي تعكس صورة شخص دون شخص آخر، لا تتوقّف عن عكسها صورة الشخص إلا إذا حال بين المرآة وبين الشخص حائل أو حجاب ما، إذن لو كان المخ المادي المحض مثل آلة الساعة أو الآلات البخارية فإنه من الجنون أن نقول إنه ينصرف بسبب الألم والفزع لأن التألم والفزع من الأمور المعنوية والوهمية وهي ليست من خواص المادة والحركة.