فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 250

أما كلام الآدمي فيشتمل على جميع هذه الاختلافات، ويشهد لذلك أننا لو نظرنا بدقة في كتب العلماء ودواوين الشعراء والمترسلين لوجدنا فيها جميع أنواع الاختلافات تلك، فنرى أن قسمًا منها فصيح وقسم آخر منزحف ونرى أن الأغراض والأهداف مختلفة فترى جزءًا من القصيدة يذم الدنيا وجزءًا يمدحها وإذا كان الشاعر مسرورًا وجدته حسن الظن بالدنيا في شعره ومتفائلًا، وعندما يكون مكتئبًا تجده يلوم الدنيا والدهر، وتجده يمدح الجبن أحيانًا ويسمِّيه حزمًا ويذمّه طورًا ويسميه ضعفًا، أو يمدح الشجاعة أحيانًا ويسمّيها صرامةً ويذمُّها طورًا ويعتبرها تهوُّرًا، ولا يمكن لكلام الآدمي أن يخلو من اختلافٍ وتناقض لأن منشأ هذا الاختلاف هو عقائد البشر واختلاف أحوالهم وأعراضهم، وللإنسان أحوال مختلفة كل يوم، وأفكاره دائمة التقلب، والفرح أو الهمّ والغمّ وتغيير البيئة وتبدل المعيشة وشدائد الدهر وحوادث الزمن كلها عوامل قوية تؤثر في تغيُّر الأفكار، فللإنسان عند فرحه أفكار تختلف عن أفكاره عند حزنه، كما أن هناك عوامل أخرى مؤثرة في أقوال الإنسان وأفكاره، ولذلك إذا قرأنا دواوين الشعراء تبيَّن لنا بوضوح صحة ما نقول وأن الإنسان كلَّ يوم يكون في شأن، وفي كل قصيدة يفكر بطريقة، و كم من اختلافات نجدها في الكتب التي صنفها العلماء الكبار.

يقول العماد الأصفهاني: «إني رأيت أنه لا يكتب إنسانٌ كتابًا في يومه إلا قال في غده لو غُيِّر هذا لكان أحسن ولو زيد كذا لكان يُستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل ولو تُرك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العِبَر وهو دليلٌ على استيلاء النقص على جملة البشر» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت