فهرس الكتاب
3-لقد اعتبر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم القرآن معجزته الكبرى وتحدى الناس أن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة واحدة من مثله، ولو كان القرآن غير مفهوم لكان هذا التحدي خاطئًا من أساسه.
ولكن قال جماعةٌ خلاف ذلك
واستدل جماعةٌ على أن القرآن غير قابل للفهم بعدة وجوه:
1-قالوا إن في القرآن آيات متشابهة ولا أحد يفهم معنى المتشابهات سوى الحق تعالى.
والجواب: إن المتشابهات أيضًا قابلة للفهم بل إن المتشابهات إنما نزلت لهداية الجاهلين وعامة الناس كما سيأتي تحقيقه لاحقًا.
2-قالوا إن الأعمال التي كلفنا الله تعالى بها على قسمين: القسم الأول أفعال ندرك مصلحتها كالصلاة والصوم والزكاة، فالصلاة تواضع محض والصوم إمساك عن الشهوات والزكاة سعيٌ لرفع حاجات المساكين والفقراء، والقسم الثاني أفعال لا نعلم المصلحة فيها مثل أفعال الحج حيث لا نعلم الحكمة من رمي الجمرات أو القصد من السعي بين الصفا والمروة. ويتفق المحققون على أنه كما يحسن بشأن الحق تعالى أن يأمر عباده بالقسم الأول من الأفعال فإنه يحسن أيضًا أن يأمرهم بالقسم الثاني، لأن القسم الأول لا ينطوي على كمال الانقياد والطاعة لأنه من المحتمل أن يدفع العقل الإنسان إلى العمل بها حيث يدرك مصلحته ومنفعته فيها. أما القسم الثاني الذي لا يعلم ماهية المصلحة والحكمة فيه فإن في طاعة العبد لِلَّهِ بامتثال أمره في القيام بها كمال الانقياد وغاية التسليم له تعالى حيث تتضمن هذه الأعمال انقيادًا محضًا وطاعة صرفة.
فإذا جازت طاعة الله في أفعال لا نعلم وجه المصلحة فيها فلماذا لا يجوز مثل ذلك في الأقوال أي أن يقول الله كلامًا نفهم بعضه ولا ندرك معنى بعضه الآخر ولا?مرماه لكننا نتعبد بتلاوته انقيادًا وطاعة لِلَّهِ.