فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 250

لما نزل قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة/245] ، قال أبو الدحداح: إن الله كريمٌ وغنيٌّ وقد استقرض منّا ما أعطانا، ففهم باطن الآية ومقصدها، وقالت اليهود: {إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران/181] ؛ ففهمُ أبي الدحداح هو الفقه، وهو الباطن المراد، وفهمُ اليهود لم يزد على مجرد القول العربي الظاهر، ثم حمل استقراض الرب الغني على استقراض العبد الفقير، عافانا الله من ذلك.

ومن ذلك أن العبادات المأمور بها، بل المأمورات والمنهيات كلها إنما طلب بها العبد شكرًا لما أنعم الله به عليه، ألا ترى قوله: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل/78] ، وفي الأخرى: {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الأعراف/10] . والشكر ضد الكفر؛ فالإيمان وفروعه هو الشكر، فإذا دخل المكلف تحت أعباء التكليف بهذا القصد؛ فهو الذي فهم المراد من الخطاب، وحصَّل باطنه على التمام، فإذا كانت الصلاة تشعر بإلزام الشكر بالخضوع لِلَّهِ والتعظيم لأمره والخشوع أمام خالق العالم؛ فمن دخلها عُريًّا من الخشوع كيف يُعَدُّ مِمَّن فهم باطن القرآن ومقصده؟

وكذلك باطن آيات الزكاة وقصد الشارع من تشريعها هو إنفاق المال أولًا وإصلاح نفس شخص الغني و تربية ملكة السخاء والكرم في نفسه، و وقايته من رذيلة الشح والبخل، وثانيًا القصد منها ترفيه حال الفقراء والمحرومين، وإعانة المساكين مما له نفع كبير في الدارين، إلى فوائد كثيرة أخرى لا نحتاج إلى ذكرها ههنا.

فإذا احتال شخصٌ له مال قد حال عليه الحول، فوهبه لابنه عند رأس الحول فرارًا من أدائها إلى مستحقيها كان عمله هذا مخالفًا لباطن القرآن وقصده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت