فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 250

والقسم الثالث من الوجه الأول للتفسير المذموم بالرأي: أنه قد يكون للشخص غرضٌ صحيحٌ فيطلب له دليلًا من القرآن ويستدلُّ عليه مما يعلم أنه ما أريد به! كالذي يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: قال الله عز وجل: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} [طه/24] ويشير إلى قلبه ويومئ إلى أنه - أي القلب القاسي- هو المراد بفرعون! أو كمن يدعو إلى الاستغفار بالأسحار فيستدل بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «تَسَحَّرُوا فإن في السحور بركة» [1] ويزعم أن المراد به التسحُّر بالذكر وهو يعلم أن المراد به التسحُّر بالأكل. وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة تحسينًا للكلام وترغيبًا للمستمع وهو ممنوع لأنه من التفسير بالرأي الذي نهى عنه الشرع المقدَّس نهيًا أكيدًا [2] .

والوجه الثاني من التفسير المذموم بالرأي: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير رجوع إلى أسباب النزول و تاريخ العرب في الجاهلية و سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ودون استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلّق بغرائب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدّلة وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير. فمن لم يحكم بظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية دون مراجعة النقل والسنَّة والسماع، كثر غلطه ودخل في زمرة من يفسِّر بالرأي الذي بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه يتبوَّأ مقعده من النار.

(1) المجلسيُّ، «بحار الأنوار» ، ج 59/ص 292. والحديث متفق عليه لدى أهل السنة حيث رواه البخاري ومسلم وغيرهما. (تر)

(2) استفاد المؤلف رحمه الله هذه الفقرة من إحياء علوم الدين للإمام الغزالي بتصرف يسير. (تر)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت