فهرس الكتاب
1-من المسلمات أن الأمور التي نزل القرآن للدعوة إليها في بداية الإسلام والتي تكفَّلت بذكرها السور المكية هي الأحكام الكلية والقواعد الأصولية في الدين؛ فأول ما دعا القرآنُ الخلائقَ إليه هو الإيمانُ بالله وبرسوله وباليوم الآخر، ثم شرع بعد ذلك الصلاة ونهى عن الشرك والكفر وتوابعهما كالذبح لغير الله وأمثال ذلك نهيًا أكيدًا، كما دعا إلى مكارم الأخلاق كالعدل والإنسان وأمر بالوفاء بالعهد والإعراض عن الجاهل والدفع بالتي هي أحسن وخوف الله والصبر والشكر. ونهى عن الأخلاق الرذيلة وعن الفحشاء والمنكر والبغي والقول بغير علم والتطفيف في الكيل والوزن والفساد في الأرض والزنا والقتل ووأد البنات وأمثالها من الأمور التي كانت رائجة في دين أهل الجاهلية. إذن تكفَّلت الآيات المكية بالكليات. ثم بعد الهجرة إلى المدينة المنورة بدأ إكمال تلك القواعد:
2-من البديهيات الأولية أن الأحكام العقلية الكلية لا تقبل النسخ والتخصيص، فمثلًا القاعدة العقلية التي تقول إن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، أو إن الكل أعظم من الجزء، لا يمكن تصور نسخها بأي شكل من الأشكال، وقد ذكرنا في الفصل السابق أن القرآن حافظ للضروريات والحاجيات والتحسينيات، وأن الضروريات هي حفظ الدين والعقل والبدن والنسل والمال، وكليات الشرائع كليات عقلية لا تقبل النسخ والتخصيص، وقد جاءت جميع الشرائع السماوية لحفظ هذه الأصول، كما قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى/13] .