فهرس الكتاب
المقدمة الأولى: من المسلمات والضروريات أن القرآن يشتمل على دعوة العامة والخاصة كلاهما، بل إن مخاطبي الأنبياء والرسل أولًا وبالذات هم العوام والمراد إصلاح شأنهم، لأنه إذا صلح عامة الناس صلح الرجال والعلماء والملوك والأشراف الذين ينشؤون في الأساس من عامة الناس، عل عكس الفلاسفة الذين لا يستهدفون في دعوتهم إصلاح الشعب والعامة بل ينحصر ما يقومون به من تربية وتعليم، بصفوة المجتمع ونخبته من أصحاب الفهم، ولو تأملنا بدقة لرأينا أن عمل الفلاسفة هذا لا يفيد المجتمع كثيرًا، لأنه إذا صلح في المجتمع عشرة أشخاص أو مئة شخص فقط وصاروا ذوي أخلاق فاضلة فإن هذا لن يؤثر في المجتمع، بل إن هؤلاء الرجال الأفاضل سيعانون الشقاء لعيشهم في مجتمع يعج بالجهل وسوء الأخلاق، وسيطردهم الناس من مجتمعهم، مثل حالنا في مجتمعنا الحالي وما يعانيه الفضلاء في مجتمعنا من شقاء بسبب غلبة الجهل والأخلاق الرذيلة.
وهذا الأمر الذي ذكرناه من أن الأنبياء يستهدفون في الدرجة الأولى عوام الناس، قد أشار إليه الله تعالى في كتابه وهو يقص علينا قصة قوم نوح الذين قالوا: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} [الشعراء/111] ، وكذلك قوله تعالى: {فَقَالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} [هود/27] .