فهرس الكتاب
وعوالم الوجود متطابقة ونشآت عالم الكون متحاذية، ونسبة العالم الأدنى إلى العالم الأعلى كنسبة الشيء الصافي إلى الكدر ونسبة اللب إلى القشر، وكذلك مثل نسبة الفرع إلى الأصل والظل إلى الشخص، ونسبة الشخص إلى الطبيعة ونسبة المثال إلى الحقيقة، فكل ما هو في الدنيا لا بد أن يكون له أصل وإلا لكان سرابًا باطلًا وخيالًا عاطلًا، وكل ما كان في الغيب والآخرة لا بد أن يكون له في الدنيا مثال، وإلا لكان مقدمة بدون نتيجة وشجرة بلا ثمر وعلة بلا معلول وجوادًا من غير جود. ولما كانت الدنيا عالَمَ الشهادة والمُلْك والآخرةُ عالَمَ الغيب والملكوت، وكان لكل إنسان دنيا وآخرة، والمراد من الدنيا حالته قبل الموت الإنساني والمراد من الآخرة حالته بعد موته، فدنيا الإنسان وآخرته من جملة حالاته ودرجاته، فالحالة والدرجة القريبة تسمى الدنيا (من الدنو بمعنى القرب) والحالة المتأخرة والبعيدة تسمى الآخرة.
وليس تقدم الدنيا على الآخرة بحسب الواقع ونفس الأمر بل هو تقدم إضافي لأن الإنسان في البداية يحدث ويظهر في عالم الحس والشهادة ثم يتحرك بالتدريج لينتقل إلى عالم الآخرة. يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الإنشقاق/6] .
إذن بالنسبة إلى الإنسان: الدنيا أوله والآخرة آخره، وكما أن الصورة في المرآة تابعة لصورة الناظر في مرتبة الوجود ولكنها في الرؤيا هي أول، كذلك الدنيا حكاية لعالم الغيب.
والناس في هذا المقام صنفان: الأول أولئك الذين استطاعوا العبور من عالم المُلْك والوصول إلى عالم المَلَكُوت وكذلك من الشهادة إلى الغيب وهذا العبور يطلقون عليه اسم «العبرة» كما قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ} [آل عمران/13] ، وقال: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر/2] .