فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 250

والصنف الثاني العميان والمحبوسون في سجن الطبيعة وأسرى عالم الحس والمحسوس، ويقولون ليس وراء مدينة عبادان قرية و لا وراء جسم الإنسان المادّيّ شيء آخر، وقد سيطر عليهم الحس والخيال وعالم المادة والزمان إلى درجة أصبحوا معها غير قادرين على فهم العالم المجرد فلم يعد لهم طريق إلى عالم الحقائق، فسُلَّمُهم الحس وهو سلم لا يوصل إلى سطح الحقيقة ولا يتناسب معها.

ومعظم القرآن شرح لحقائق عالم الربوبية والآخرة والغيب، ولا يمكن تقرير عالم الغيب للبشر إلا بالتمثيل كما يقول تعالى: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا العَالِمُونَ} [العنكبوت/43] .

حيث المراد من «العالمون» في هذه الآية الأشخاص الذين عبروا عالم الحس والمحسوس وتجاوزوه ووصلوا إلى عالم العقل والمعقول.

ولما كان الخيال حاكمًا في هذا العالم على معظم الناس وكلهم يتحركون بنوع من الخيال كما قال الشاعر:

صُلحُهُم وحربُهُم من الخيال ... ... وشهرتهم وعارهم من الخيال

فمثلهم مثل شخص نائم كما قال أمير المؤمنين علي (ع) : «النَّاسُ نِيَامٌ فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا» [1] .

فما يقع في اليقظة لا يظهر في الحلم إلا بنحو المثال الذي يحتاج إلى التفسير، كما أن ما يظهر في يقظة الآخرة لا يظهر في ليل الدنيا الظلماني إلا في لباس المثال، وعلماء تفسير الأحلام يعبرون من عالم المثال ويصلون إلى عالم الحقيقة. ولأجل توضيح هذا الأمر نذكر هنا بعض الأمثلة من تفسيرات ابن سيرين للأحلام، والعقل تكفيه الإشارة والغبي لا يغنيه ألف عبارة.

جاء شخص إلى ابن سيرين وقال: رأيت في الحلم أن خاتمًا في يدي وأنني أختم به أفواه الناس وفروجهم. قال ابن سيرين: ستصبح مؤذنًا وستؤذن قبل الفجر في شهر رمضان.

(1) المجلسيُّ، «بحار الأنوار» ، ج 4/ص 43. ومن طرق أهل السنة ليس حديثًا نبويًا بل قول منسوب إلى علي بن أبي طالب (ع) . انظر العجلوني، كشف الخفاء، ج 2/ص1793. (تر)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت