الصفحة 23 من 42

وهذا معناه أن صلاة العشاء إنما يحين وقتها بعد اشتداد الظلمة وغياب الحمرة لأنه الوقت الذي يمكن أن يتوقع بعده أن يكون الناس أو الأهل في خلوتهم وفراشهم، فالناس لا ينامون بعد غياب الشمس مباشرة. فلو كانت صلاة العشاء وقتها بعد الغياب لما وقّت الله الاستئذان بعدها لأنه وقت لا ينام الناس فيه ولا يضعون ثيابهم فلا داعي للاستئذان فيه لمثل أولئك الذين ذكرتهم الآية. إذن قوله تعالى عن الاستئذان: (من بعد صلاة العشاء) تحديد لوقت صلاة العشاء وأنه على الأقل- بعد غياب الشفق واشتداد ظلمة الليل.

وهو يعني أيضًا أن كون (صلاة العشاء) إنما يحين وقتها بعد اشتداد الظلام أمر متعارف عليه قبل نزولها بحيث صلح أن يكون أصلًا يوقت عليه، وهذا لا يمكن إلا بعد كونه كذلك.

وزلفًا من الليل

ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: (أقمِ الصلاةَ طرفَي النهار وزُلفًا مِنَ الليْلِ) (هود:114) . على ما رواه ابن بابويه القمي عن زرارة بن أعين: قلت لأبي جعفر (ع) : أخبرني عما فرض الله تعالى من الصلوات؟ قال خمس صلوات في الليل والنهار. قلت: هل سماهن الله وبينهن في كتابه؟ فقال: نعم. قال الله عز وجل لنبيه (ص) : (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) ودلوكها زوالها. ففيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربع صلوات سماهن الله وبينهن ووقتهن. وغسق الليل انتصافه. ثم قال: (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) فهذه الخامسة. وقال في ذلك: (أقم الصلاة طرفي النهار) وطرفاه المغرب والغداة. (وزلفا من الليل) وهي صلاة العشاء الآخرة [1] .

الفصل الثالث

توقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

ثم نأتي إلى صحاح أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونقارن بينهما وبين ما مر بنا من آيات قرآنية لنرى التوافق والتطابق ظاهرًا جليًا: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) (النساء:82) :

(1) فقيه من لا يحضره الفقيه 1/25

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت