ولقد جاءت الأحاديث في دواوين حديث أهل السنة كلها بهذا الذي ذكرناه إلا حديثًا واحدًا عن ابن عباس (رضي الله عنه) اشتبه على البعض فظنه يجيز الجمع من دون عذر لأن الذي يرويه يتعمد -مع الأسف- الاقتصار على لفظ واحد له يحمل على هذا الوهم، ولا يرويه بألفاظه كلها التي إذا جمعت إلى بعضها - كما سيأتي بعد قليل إن شاء الله - ذهب الوهم وزالت الشبهة تمامًا.
إن رسول الله (ص) صلى ثلاثة وعشرين عامًا أكثر من ثلاثين ألف صلاة مكتوبة. وفي المدينة وحدها صلى ما يقارب عشرين ألف صلاة في أوقاتها التي حددها الله لا يجمع بينها إلا إذا كان في سفر أو مرض أو ما شابههما من عذر، فهل يصح شرعًا ويستقيم عقلًا أن نتحجج أو نتعلل بحديث واحد ورد فيه أن رسول الله (ص) جمع مرة - ولنفرض أنه جمع من غير عذر البتة - كي نقلب الأمر الذي كان عليه (ص) حياته كلها لنجعل من هذه المرة الواحدة حالة مستديمة
حياتنا كلها؟!
ألا نفكر في السبب الذي من أجله كان ذلك الجمع تلك المرة؟! لنوفق بين هذا الحديث وغيره من الأحاديث، والأمر أمر عمل هو أعظم الدين على الإطلاق!.
الجواب عن حديث ابن عباس (رضي الله عنه)
إن هذا الحديث مخرج في صحيحي البخاري ومسلم ومسند أحمد وسنن النسائي والترمذي وأبي داود وابن ماجة كل بلفظه. فإذا جمعت هذه الألفاظ إلى بعضها تبين تمامًا أن هذا الجمع إنما فعله الرسول (ص) عند الحرج في واقعة حدثت له مرة واحدة في المدينة فيزول الإشكال ويظهر التوافق بينه وبين فعل النبي (ص) الذي داوم عليه حياته الشريفة كلها. وإليك الحديثَ بألفاظه:
عن ابن عباس (رضي الله عنه) :
1- (صلى رسول الله(ص) في المدينة مقيمًا غير
مسافر سبعا وثمان) هذا لفظ احمد والبخاري.
2- (صلى رسول الله(ص) الظهر والعصر والمغرب والعشاء جميعًا من غير خوف ولا سفر) هذا لفظ مسلم ومالك.
لاحظ أن لفظ الحديث الأول ينفي أن يكون الحرج الذي من أجله حصل الجمع هو السفر.