أما نقده له فإنه يدور حول تأويل الأفعال الاختيارية، إذ يرى أن أي نفي يعد من قبيل الاتجاه الجهمي لأن جهم بن صفوان أصبح علمًا على كل مذهب ينفي الصفات أو الأفعال أو هما معًا، فالمذهب الأشعري عنده يقترب ويبتعد عن أفكار جهم بقدر ما يقربه منها، ولا يقصد بذلك أنه تقيد بأفكاره من كافة الوجوه.
وكنا نود أيضًا من صاحب الكتاب الآنف الذكر أن يستخرج مذهب السلف من مظانه الحقيقة [24] وأن يقف على الاصطلاحات التي تناولها المتكلمون في تناولهم للمذهب السلفي لأنهم يختلفون في استخداماتهم للاصطلاحات، فلذا قيل أن"مذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه دون التجسيم والتشبيه" [25] .
وهكذا يتضح ضرورة تحديد معاني الاصطلاحات، إذ يوضح ابن تيمية المقصود بهذه المفردات وإنها تختلف معانيها عند الفرق طبقًا لاصطلاحاتهم التي اتفقوا عليها. فإن المعتزلة - مثلًا - يرون التوحيد في نفي الصفات، وكذلك الجهمية، فإذا خالفهم المثبتون، أطلقوا عليهم صفات المشبهين المجسمين. ومن المثبتين للصفات من يقصد بالتوحيد والتنزيه نفي الصفات الخبرية أو بعضها. ويعني الفلاسفة بالتوحيد معنى مشابهًا لما يقصده المعتزلة.
والتوحيد عند أصحاب وحدة الوجود هو الوجود المطلق [26] .
لهذا فإن شيخنا في تعريفه للتنزيه، يستخرج المعنى من الآيات القرآنية فيرى في الآيتين"قل هو الله أحد"و"ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"صفات التنزيه التي تجمعها هاتان الآيتان: فإن أولهما تنفي النقص عن الله"وذلك من لوازم إثبات صفات الكمال، فمن ثبت له الكمال التام انتفى النقصان المضاد له، والكمال من مدلول اسمه الصمد، والثاني، إنه ليس لمثله شيء من صفات الكمال الثابتة، وهذا مدلول اسمه الأحد" [27] .