قال فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: أستودعك الله من قتيل» [21] . ومما يدل على أن مواقف هؤلاء الفضلاء ليست اعتراضًا شرعيًا وإنما اعتراض نابع من عدم الثقة بأهل العراق؛ أن ممن اعترض على خروج الحسين إلى أهل العراق عبد الله بن الزبير، وموقف ابن الزبير من يزيد معلوم، فـ «عن الحسين أنه قال لعبد الله بن الزبير: أتتني بيعة 40 ألفًا يحلفون بالطلاق والعتاق إنهم معي. فقال له ابن الزبير: أتخرج إلى قوم قتلوا أباك وأخرجوا أخاك؟» [22] . وإذا نظرت لموقف ابن عمر من خلع يزيد ممن بايعه، اتضح الفرق بين الأمرين: «لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر حشمه وولده، فقال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة) ، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرًا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدًا منكم خلعه، ولا بايع في هذا الأمر، إلا كانت الفيصل بيني وبينه» [23] . فهنا كان موقفه حازمًا وصارمًا لأنهم كانوا قد بايعوا يزيد، وما فعلوه يعد مخالفة شرعية، وأما في حالة الحسين فكان حوارًا هادئًا؛ لأن المسألة مسألة تقدير واقع ولم يكن فيها نقض بيعة ولا خلع إمام.
وكذلك كان موقف أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عندما جاء للحسين رضي الله تعالى عنهما فقال: «يا أبا عبد الله! إني لكم ناصح، وإني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج إليهم، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: والله لقد مللتهم وأبغضتهم، وملوني وأبغضوني، وما يكون منهم وفاء قط، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم نيات ولا عزم على أمر، ولا صبر على السيف» [24] ، فاعتراضه على الثقة بأهل العراق وضعف عزمهم، وليس على مخالفة شرعية للحسين رضي الله تعالى عنه.
ثانيًا: تحقيق موقف عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما