الصفحة 118 من 375

وقال الهيثمي: (ورواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح) ( [302] ) ، فالحديث إذًا صحيح، إلا أنه ليس فيه ما يثبت أنه قرآن، أو أن أُبي بن كعب رضي الله عنه كان يرى ذلك قرآنًا، فإن مجرد كتابته لها في مصحفه لا يكفي لجعلها قرآنًا ما لم يقم دليل صريح من أُبي نفسه على ذلك، أو يثبت من غيره، ويتواتر ذلك عنهم، لما علم من بعض الصحابة أنهم كانوا يكتبون في مصاحفهم بعض تفسيرات وتأويلات لبعض الكلمات، وكذلك بعض الأدعية وغيرها مما يسمعونها من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خافوا نسيانهم؛ فمصاحفهم لا تقتصر على القرآن فقط، وإنما تشتمل على القرآن وعلى غيره من هذه الأشياء.

فإذا كانت الحال كذلك لم يجز لأحد أن يطلق على شيء أنه من القرآن بمجرد أنه موجود في مصحف فلان من الصحابة، إلا أن يقوم على ذلك دليل صحيح، ويبلغ حد التواتر؛ لأن القرآن الكريم لا يثبت إلا عن طريق التواتر إجماعًا ( [303] ) مع أنه لم يثبت عن أُبي نفسه أنه قال: إنه قرآن.

يقول أبو بكر الباقلاني: (وأيضًا فإنه لا يروى عن أُبي لفظة واحدة في أن دعاء القنوت قرآن منزل، وإنما روى قوم أنه أثبته في مصحفه، فلعل ذلك -إن صح- إنما أثبته لأنه دعاء لا استغناء عنه) ( [304] ) .

وقال الزركشي: (وإن كلام القنوت المروي عن أُبي بن كعب أثبته في مصحفه لم تقم حجة بأنه قرآن منزل، بل هو ضرب من الدعاء، وأنه لو كان قرآنًا لنقل نقل القرآن، وحصل العلم بصحته، وأنه يمكن أن يكون منه كلام كان قرآنًا منزلًا ثم نسخ وأبيح الدعاء به، وخلط بكلام ليس بقرآن، ولم يصح ذلك عنه، وإنما روي عنه أنه أثبته في مصحفه، وقد ثبت في مصحفه ما ليس بقرآن من دعاء وتأويل) ( [305] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت