الصفحة 119 من 375

ومما يدل على ضعف هذا أيضًا ما ثبت عند ابن أبي داود من طريق عروة بن عمرو عن أبيه قال: (لما استحر القتل بالقراء يومئذ فرق أبو بكر على القرآن أن يضيع، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه) ( [306] ) .

قال عنه الحافظ ابن حجر: (ورجاله ثقات مع انقطاعه) ( [307] ) .

فهذا نداء عام لكل من تلقى شيئًا من القرآن الكريم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجد معه غيره شهد بذلك على أنه قرآن قبل منه، وأدخل في المصحف تحقيقًا لسلامة القرآن من الدخول فيه ما ليس منه، أو خروج منه ما كان فيه، فكل شيء لم يدخل في جملة القرآن عند ذلك الجمع فليس بقرآن، وهذا الذي يروى عن أُبي بن كعب هو من هذا القبيل.

ويستبعد مع العناية الشديدة والاهتمام البالغ بالقرآن الكريم من قبل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وحرصهم الشديد على تلقيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا توجد هاتان السورتان عند أي واحد من الصحابة إلا أُبي فقط، هذا بعيد جدًا، كما أنه لم ينقل عنه أيضًا أنه عرضه عليهم ورفضوه لعدم الشهادة عليها، فعدم ورود شيء من ذلك عن أُبي من أقوى الأدلة على أن أُبيًا لم يكن يرى ذلك من القرآن -على فرض صحة الرواية عنه كما تقدم-.

حتى لو افترضنا أن أُبي بن كعب أثبت هذا الدعاء في مصحفه على أنه قرآن، فإنه لا ينافي ما قلناه؛ لكونه رأيًا فرديًا خالف فيه جماهير الصحابة رضي الله عنهم كما يحصل ذلك لكثير منهم في بعض المسائل التي ينفرد بها عن جمهور الصحابة، ولا ينقص ذلك من قدر أحد منهم، وفي ذلك يقول ابن قتيبة رحمه الله -بعد أن أورد جملة من المسائل التي ينفرد بها الصحابي عن جمهورهم-: (وإلى نحو هذا ذهب أُبي في دعاء القنوت؛ لأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به في الصلاة دعاء دائمًا، فظن أنه من القرآن، وأقام على ظنه ومخالفة الجمهور) ( [308] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت