الصفحة 17 من 375

وروى الكليني بسنده عن حبيب بن بشر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (سمعت أبي يقول: لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إليّ من التقية، يا حبيب! إنه من كانت له تقية رفعه الله، يا حبيب! من لم يكن له تقية وضعه الله، يا حبيب! إن الناس إنما هم في هدنة، فلو قد كان ذلك كان هذا) ( [37] ) -أي لو ظهر قائمهم لتركت التقية-.

وروى أيضًا بسنده عن معمر بن خلاد قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن القيام للولاة، فقال: قال أبو جعفر عليه السلام: التقية ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له) .

هذا بعض ما نسبوه إلى أئمتهم في بيان مكانة التقية عندهم ووجوب الأخذ بها في دينهم، هذه هي مكانة التقية عند الرافضة، وهي مكانة فوق جميع شعائر الدين، بينما لا تعدو التقية عند المسلمين عن كونها رخصة رخص الشارع للمسلم أن يحافظ بها على نفس أو عرضه أو ماله من شر أعدائه إذا وقع في أيديهم وأرادوا فتنته عن دينه، فله أن يجيبهم إلى ما يطلبون منه في الظاهر، ولا شيء عليه ما دام قلبه مطمئنًا بالإيمان، كما أن من أبى عليهم وأخذ بالعزيمة فليس عليه شيء كذلك.

هذا ما فهمه المسلمون من الآيات التي جاءت بجواز استعمال التقية عند الضرورة فقط، كما أن جواز استعمالها مقصور على أعداء الإسلام من الكفار والمشركين، وهذا بعيد جدًا عن مفهوم الرافضة للتقية، فإنها عندهم تعني: الكذب والخيانة والخداع والنفاق ( [38] ) مع المسلمين لا مع الكفار كما ورد به الشرع، فهم يستعملونها مع المسلمين، أما الكفار فهم أصدقاؤهم وأحباؤهم يوالونهم في كل شيء ضد المسلمين، وهنا تظهر أهمية التقية عندهم، فإنهم قد صدقوا على أنفسهم بأنه لا دين لمن لا تقية له، وأن تسعة أعشار دينهم منها، فبدون التقية لا بقاء لهم مع المسلمين، لأنهم كفار يلحق بهم ما يلحق بالكفار، ولذا شددوا في استعمالهم لها، وأوجبوها على أنفسهم حتى لا تنكشف عورتهم للمسلمين، فيجري عليهم ما يستحقون على كفرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت