الصفحة 5 من 51

اتصف أبو حنيفة رحمه الله بصفات جعلته في الذروة بين العلماء، صفات العالم الحق الثبت الثقة، البعيد المدى في تفكيره، المتطلع إلى الحقائق، الحاضر البديهة، الذي تسارع إليه الأفكار.

كان رحمه الله ضابطًا لنفسه، مستوليًا على مشاعره، لا تعبث به الكلمات العارضة، ولا تبعده عن الحق العبارات النابية، كان يقول: «اللهم من ضاق بنا صدره فإن قلوبنا قد اتسعت له» . وقد أوتي استقلالًا في تفكيره جعله لا يخضع في رأيه إلا لنص من كتاب أو سنة أو فتوى صحابي.

كان مخلصًا في طلب الحق مما نور قلبه وأضاء بصيرته، فكان لا يهمه إلا الحق سواء كان غالبًا أو مغلوبًا، وكان لإخلاصه لا يفرض في رأيه أنه الحق المطلق، بل يقول: «قولنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا» .

هذه جملة الصفات التي جعلت من أبي حنيفة رحمه الله فقيهًا انتفع بكل غذاء روحي وصل إليه.

شيوخه والموجهون الذين التقى بهم وأثروا فيه:

التقى الإمام أبو حنيفة بعدد من الذين عمروا من الصحابة، منهم أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد رضوان الله عليهم، ولكنه لم يرو عنهم؛ إذ كان في سن لقائه بهم صغيرًا، ولكن أجمع العلماء على أنه التقى بكبار التابعين وجالسهم ودارسهم وروى عنهم وتلقى فقههم.

وقد قال: «كنت في معدن العلم والفقه، فجالست أهله ولزمت فقيهًا من فقهائهم» .

وهذا يدل على أنه عاش في وسط علمي، وجالس العلماء وعرف مناهج بحثهم، ثم اختار من بينهم فقيهًا وجد فيه ما يرضي نزوعه العلمي، وهو حماد بن أبي سليمان الذي انتهت إليه مشيخة الفقه العراقي في عصره، فلزمه ثماني عشرة سنة.

وكان حماد قد تلقى معظم فقهه على إبراهيم النخعي فقيه الرأي، كما تلقى عن الشعبي فقيه الأثر، وهما اللذان انتهى إليهما فقه الصحابيين الجليلين عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وكانا قد أقاما بالكوفة وأورثا أهلها تراثًا فقهيًا عظيمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت