الصفحة 83 من 477

رأى الناس ذلك، ولم يستطيعوا تغييرًا ولا تحويلًا، فكظموا غيظهم وكبتوا نفوسهم واشتد ألمهم، فاندفعوا إلى المغالاة في تقدير أولئك الذين غالى الأمويون في إيذائهم، وهكذا يدفع الكبت العقلي والنفسي دائمًا، فإنه يدفع المبالغة في التقدير، إذ العطف والإشفاق يدفعان إلى الإكبار والتقدير.

والشيعة نشأت في مصر ابتداء في عهد عثمان إذ وجد الدعاة فيها أرضًا خصبة، وعمت العراق، واتخذته لها مستقرًا ومقامًا، فإذا كانت المدينة ومكة، وسائر مدائن الحجاز مهدًا للسنة والحديث، والشام مهدًا لنصراء الأمويين فقد كان العراق مقامًا للشيعة، ولماذا كان العراق مهد الشيعة؟

لقد تضافرت عدة أسباب فجعلته كذلك، فـ «علي بن أبي طالب» أقام به مدة خلافته، وفيه التقى بالناس ورأوا فيه ما أثار تقديرهم، ولم يعلنوا الولاء بقلوبهم للأمويين قط، فرماهم معاوية في خلافته، بزياد ابن أبيه فقضى على المعارضة أن تظهر، ولكنه لم يقتلع جذورها من النفوس، ولما مضى زياد استمر ابنه على حكمه من بعده في عهد يزيد بن معاوية، وصار العراق أول المنتقضين على الأمويين حتى استقر الأمر لبني مروان في عهد عبد الملك بن مروان، فرماهم بالحجاج فاشتد في القمع، وكلما اشتد قمعه اشتد المذهب الشيعي في نفوس معتنقيه.

والعراق فوق تلك ملتقى حضارات قديمة، ففيه علوم الفرس، وعلوم الكلدان وبقايا حضارات هذه الأمم وقد ضمت إلى هذا فلسفة اليونان، وأفكار الهنود، وقد امتزجت هذه الحضارات وتلك الأفكار في العراق، فكان المنبت الذي ينبت أكثر الفرق الإسلامية وخصوصًا ما يتصل فيه بالفلسفة؛ ولذلك امتزجت بالشيعة آراء فلسفية تتلاءم مع بيئة العراق الفكرية. وفوق ذلك فإن العراق كان مهد الدراسات العلمية وفي أهله ذكاء، وفيهم تعمق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت