الصفحة 118 من 149

أقول: إنْ كَانَ كَلامُ الفضل هنا لا يخلو من حق ظاهر فيما ذكره من أخبار بعضُها صحيح ثابت؛ فهو لا يخلو أيضا من تلبيس لا يخفى على من له أثَارَةٌ من عِلمٍ بأقوال علماء السنة. والحق أن أهل السنة لا ينكرون مطلق الرجعة، ولا يحيلون قدرة الله ــ تعالى ــ على أن يَرُدَّ إلى الحياة من شاء ومتى شاء؛ فلهذا نظائر ثابتة بصريح القرآن فضلا عن صحيح الأخبار. والآيات التي تنفي الرجوع إلى الدنيا بعد الموت إنما تنفي رجعة الطالبين استئناف العمل للتزود بالصالحات والتبرؤ من أسباب الإضلال من الكافرين المستحقين للعذاب، أو للاستزادة بما يرفع الدرجات من المؤمنين كما في آخر سورة المنافقون، وكما في حديث الشهيد عبد الله أبي جابر الأنصاري [1] ؛ لكنَّ أهل السنة ينكرون الرجعة بالمعنى الخاص الذي يدعيه الشيعة في قولهم بأن الله ــ تعالى ــ يرد إلى الدنيا عند قيام المهدي من آل محمد وظهوره في آخر الزمان فريقين من الناس: أحدهما: من علت درجتهم في الإيمان، وكثرت الصالحات من أعمالهم؛ ليريهم دولة الحق ويعزهم بها، ويشاركوا في إقامتها وجهاد أعدائها. والثاني: من بلغوا الغاية في الفساد، وكثر ظلمهم لأولياء الله؛ فينتصر الله منهم قبل يوم القيامة؛ بل يروون أن الله ــ تعالى ــ يرد رجالا بأعيانهم اغتصبوا حق الإمام؛ ليعذبهم المهدي ويشفي غيظ شيعته منهم قبل يوم القيامة [2] .

(1) - هذه المعاني كررها القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن غير مرة ـ 12/ 149 ـ 18/ 130.

(2) - راجع الشيخ المفيد: أوائل المقالات ـ ص 50 من طبعة واعظ جرندابي. وراجع رسائل الشريف المرتضى ـ 1/ 125، 126 (جوابات المسائل الرازية) ،302، 303 (جواب المسائل الميافارقيات) . وراجع ـ من أهل السنة ـ محمود الآلوسي (تـ1270هـ) : روح المعاني ـ 20/ 26، 27 في كلامه على ما استدل به الطبرسي الاثنا عشري من القرآن في إثبات الرجعة..وراجع محمود شكري الآلوسي (تـ1342هـ) : «مختصر التحفة الاثني عشرية» لشاه عبد العزيز الدهلوي (تـ1239هـ) ـ ص 200: 203.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت