إنهم ينكرون هذا على الشيعة كما ينكرون عليهم قولهم في الإمامة أصلا، لا أنهم ينكرون كُلَّ ما يُسمى رجعة. وهذا فيما أزعم تحقيق المسألة، وإن الظاهر في كلام أهل السنة إنكار الرجعة فقط بذلك المعنى الخاص الذي قرره الشيعة الإمامية من عودة أصناف من الموتي قبيل القيامة ليحيوا حياة مستقرة يستأنفون بها دورا جديدا في الوجود الدنيوي، ثم يموتون ويبعثون في جملة الخلائق يوم القيامة والحساب، لينالوا حظهم من الثواب والعقاب. وهذا المعنى الخاص لا شاهد له في القرآن ولا في السنة الصحيحة، ولذلك يعول متكلمو الاثنا عشرية في إثباته على الإجماع الذي يتضمن عندهم قول المعصوم، وسيأتي بيان كلامهم عن ذلك الإجماع بموضعه من هذه الدراسة ــ إن شاء الله تعالى.
* وإذا كان فكر الفضل بن شاذان يمثل امتداد تيار فكر هشام بن الحكم الكلامي ــ كما لعله ظهر من نقده لطوائف متكلمي السنة ــ؛ فإن التيار الفكري الذي كان مقاربا لكلام المعتزلة في مسائل القدر والاستطاعة السابقة للفعل الإنساني عند زُرارة وصاحب الطاق ــ أخذ يظهر ويتنامى بصورة واضحة في غير ذلك من المسائل الكلامية عند متكلمي بني نوبخت في فترة الغيبة الصغرى وما بعدها، إلى أن غدا الكلام في مسائل التوحيد ــ على سبيل المثال ــ يكاد يكون متطابقا في إطاره العام بين المعتزلة والاثنا عشرية عند الشيخ المفيد ومن جاء بعده، وسيأتي تفصيل ذلك بمواضعه من هذه الدراسة ــ إن شاء الله تعالى.
وبالإضافة إلى هذين التيارين الكلاميين كان هناك تيار ثالث للمشبهة الذين يتصورون ربهم في صورة إنسان، كما سلف من ذكر هشام الجواليقي في مناظرات هشام بن الحكم له؛ لكن هذا التيار ليس له أثر ملحوظ فيما بعد بين متكلمي الاثنا عشرية المبالغين في اعتقاد التنزيه، سوى ما يلزم بعض الأخباريين من الطائفة، وقد تبرأ أكثر متكلميهم من هؤلاء وأوسعوهم نقدا.