وجوابه: أنَّ في ارتفاع عينه ارتفاعَ الحجة من الأرض، وسقوطَ الشرائع إذا لم يكن لها من يحفظها. وأما إذا استتر الإمام للخوف على نفسه بأمر الله ــ عزَّ وجلَّ ــ وكان له سبب معروف متصل به؛ كانت الحجة قائمة إذ كانت عينه موجودة في العالم، وبابه وسببه معروفان، وإنما عدم إفتائه وأمره ونهيه ظاهرا، وليس في ذلك بطلان للحجة.
وقد حاول أن يذكر لذلك نظائر مما حسب أو زعم تلبيسا أنه مقبول عند خصومه من طوائف الشيعة الأخرى أو من أهل السنة؛ فذكر إقامة الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ في شعب أبي طالب مدة طويلة، وأنه كان يدعو الناس في أول أمره سرا إلى أن أمِنَ وصارت له فئة، وهو في كل ذلك نبى مبعوث مرسل؛ فلم يُبْطِل تَوَقِّيه وتَسَتُّرُه من بعضِ الناس بدعوته نُبُوَّتَهُ، ولا أدحضَ ذلك حُجَّتَه، ثم دخل ــ عليه السلام ــ الغار فأقام فيه فلا يَعرِفُ أحَدٌ مَوضِعَه، ولم يُبْطِل ذلك نُبُوَّتَهُ، ولو ارتفعت عينُه لبطلت نُبُوَّتُهُ. وكذلك الإمام يجوز أن يحبسه السلطان المدة الطويلة، ويمنع من لقائه حتى لا يفتى ولا يعلم ولا يبين، والحجة قائمة ثابتة واجبة وإن لم يفت ولم يُبَيِّن؛ لأنه موجود العين في العالم، ثابت الذات ...؛ ولهذا يجوز أن يستتر الإمام المدة الطويلة إذا خاف، ولا تبطل حجة الله ــ عزَّ وجل.
قال: فإن قالوا: كيف يصنع من احتاج إلى أن يسأل عن مسألة؟ قيل له: كما كان يصنع والنبى ــ صلى الله عليه وآله ــ في الغار من جاء إليه ليسلم وليتعلم منه، فإن كان ذلك سائغا في الحكمة كان هذا مثله سائغا.