الصفحة 129 من 149

أما الفارق بين مذهبهم في الغيبة ومذهب الممطورة الواقفة على الإمام موسى الكاظم؛ فهو ــ كما يقول أبو سهل ــ أن الإمام موسى بن جعفر مات موتا ظاهرا، ورآه الناس ميتا، ودفن دفنا مكشوفا، ومضى لموته أكثر من مائة سنة وخمسين سنة [1] ، لا يدعي أحد أنه يراه أو يكاتبه أو يراسله، ودعواهم أنه حي فيها إكذاب الحواس التى شاهدته ميتا، وقد قام بعده عدة أئمة فأتوا من العلوم بمثل ما أتى به موسى ــ عليه السلام.

أما دعوى غيبة الإمام الثاني عشر؛ فليس فيها إكذاب للحس ولا محال، ولا دعوى تنكرها العقول، ولا تخرج من العادات. وللإمام الغائب إلى وقت أبي سهل النوبختي من يدعي من شيعته الثقات المستورين أنه باب إليه، وسبب يؤدي عنه إلى شيعته أمرَه ونهيَه، ولم تطل المدة في الغيبة طولا يخرج من عادات من غاب [2] ؛ فالتصديق بالأخبار يوجب اعتقاد إمامة ابن الحسن ــ عليه السلام ــ وأنه قد غاب كما جاء ت الأخبار في الغيبة؛ فإنها جاء ت مشهورة متواترة، وكانت الشيعة تتوقعها وتترجاها.

(1) - الصواب في هذه المدة أنها «أكثر من مائة سنة وخمس سنوات» ؛ لأن الكاظم توفي في سنة 183هـ، وقد توفي أبو سهل في سنة 311هـ، وقد سلفت الإشارة إلى أنه ألف كتاب «التنبيه في الإمامة» في حدود سنة 290هـ؛ فيكون ما بين وفاة الكاظم وزمان تأليف الكتاب حوالي (107) مائة وسبع سنوات.

(2) - ولعله حينما طالت المدة نحو عشرين سنة بعد ذلك قال أبو سهل النوبختي قبيل وفاته بما نقله عنه النديم في الفهرست ـ ص 225 وقد كان عارفا بكتب الرجل وآرائه؛ فقال في ترجمته بعد ذكر منزلته وبيان علو شأنه بين المتكلمين: «وله رأي في القائم من آل محمد لم يسبق إليه، وهو أنه كان يقول: أنا أقول: إن الإمام محمد بن الحسن، ولكنه مات في الغيبة، وقام بالأمر في الغيبة ابنه، وكذلك فيما بعد من ولده إلى أن يُنفذ الله حكمه في إظهاره» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت