وقد كان هذا الرأي معروفا أيضا في البطانة الاعتزالية التي كانت تحيط بالخليفة المأمون بن هارون الرشيد، وآية ذلك ما حكاه الإمام عبد العزيز بن مسلم الكناني (تـ240هـ) في مناظرته لبشرٍ المريسي بين يدي المأمون، وقد حكى أن رجلا ممن يعرف بالكلام والنظر كان يشوش عليه، ويحرض بشرا على الكلام ويحثه كلما سكت وانقطع. وعندما صرح الكناني بأن في القرآن كل ما يحتاجه العباد من أمور دينهم في كل ما هو كائن، أخذ ذلك الرجل يضرب بيده على فخذه ويقول: سبحان الله! تزعم أن كل ما هو كائن مما يحتاج إليه، قد ذكره الله ــ تعالى ــ في كتابه! ما أعظم هذا! وكيف يعلم ما هو كائن؛ فيذكره؟! وذكر الكناني أنه جهمي قدري جمع الأمر من جهتين، ينكر أن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون، يعني بذلك أنه نَفَى سَبْقَ العِلْمِ وَنَفَى القَدَرَ. قال المأمون: هذا قوله [1] .
د ــ الاستطاعة وأفعال العباد .. ذكر الأشعري أن صاحب الطاق كان يقول في الاستطاعة بقول زُرارة بن أعين: إن الاستطاعة هي الصحة، وكل صحيح مستطيع، وهي قبل الفعل؛ لكن صاحب الطاق كان يقول بعد ذلك: «لا يكون الفعل إلا أن يشاء الله» [2] . ونسب إليه وإلى الجواليقي القول بأن العباد يفعلون الأجسام؛ فحركاتهم وأفعالهم وسكناتهم أشياء، وهي أجسام؛ إذ لا شيء إلا الأجسام [3] .
(1) - انظر الكناني: الحيدة ـ ص 137، 138.
(2) - الأشعري: مقالات ـ 1/ 117.
(3) - السابق ـ ص 118. وعن هذا الموضع نقل البغدادي في الفرق بين الفرق ـ ص 69، 71. وراجع أيضا مقالات الأشعري ـ 2/ 38.