الصفحة 39 من 149

ويمكننا أن نرجح أن هشاما رأى أن الجزء قابل للتجزؤ والانقسام بالقوة لا بالفعل، وهذا هو مذهب أرسطو كما ورد في «الآراء الطبيعية» المنسوب إلى «فلوطرخس» [1] . وقد ذكر الدكتور بدوي أن هذا الكتاب قد ترجمه قسطا بن لوقا المعاصر لأبي الهذيل العلاف [2] ، وهو خصم هشام بن الحكم اللدود. وقد مر بنا من قبل أن هشاما ألف في الرد على أرسطو في التوحيد، وهذا يعني أنه كان على معرفة بآراء أرسطو كما كان على معرفة بآراء الرواقيين [3] التي انتقلت إلى الشرق عن طريق النسطوريين الذين طردهم الإمبراطور الروماني عام 489م فاستقر بهم المقام عند الفرس؛ لكن أولئك الرواقيين كانوا يقولون بأن الجزء ينقسم إلى غير نهاية بالفعل، ويُعزَى هذا الرأي أيضا إلى «انكساجوراس» المولود حوالي القرن الخامس قبل الميلاد، باعتباره أول من أنكر على الذريين القول بإمكان تقسيم المادة إلى ذرات لا تقبل التقسيم [4] .

(1) - راجع الدكتور عبد الرحمن بدوي: في النفس لأرسطوطاليس ـ ص 118. وانظر له: مذاهب الإسلاميين ـ 1/ 223.

(2) - انظر الدكتور عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلاميين ـ ص 184.

(3) - الرواقيون: جماعة فلسفية يونانية استمدت اسمها من الرواق، وهو بَهْوٌ ذو أعمدة؛ حيث كان يعلم مؤسس الجماعة الأول زينون الكتيومي في أثينا في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد. وفلسفتهم صورة من صور مذهب وحدة الوجود، يعدون الجوهر نارا لطيفة هي في آن واحد قوة ومادة. وقد اشتهروا خاصة بآرائهم الأخلاقية التي تقوم على أن الخير الأسمى مجهود لا يخضع إلا للعقل، ولا يبالي بالظروف الخارجية من الصحة والمرض أو الغنى والفقر .. راجع المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية بالقاهرة ـ ص 93 مادة (رواقية) ـ رقم 501. وراجع تحقيق الدكتور محمد جلال شرف لكتاب سانتيلانا: المذاهب اليونانية الفلسفية في العالم الإسلامي ـ 23.

(4) - راجع عبد الله نعمة: فلاسفة الشيعة ـ ص 640: 642.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت