وترجيح التوافق بين مذهبي هشام وابن حزم في هذه المسألة ليس لأن ابن حزم ــ كما سبقت الإشارة ــ كان مطلعا على بعض مؤلفات هشام بن الحكم؛ ولكن لأن الذي قال به ابن حزم متسق مع أصل قوله بأن لمساحة الجسم آخرا، وليس لأجزائه آخر من باب التجزؤ وإمكان الانقسام إلى غير نهاية، وهو القول الذي سبق أن نسبه الأشعري صراحة إلى هشام بن الحكم. وهذا لا يتسق مع مذهب أهل الرواق الذي وافقه إبراهيم بن سيار النظام المعتزلي من قبول التقسيم إلى ما لا نهاية بالفعل لا بالقوة فحسب [1] ، واضطره إلى القول بالطفرة هربا من إلزام أبي الهذيل العلاف له في مسألة الذرة والنمل [2] .
(1) - راجع الدكتور عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلاميين ـ 1/ 223.
(2) - راجع الشهرستاني: الملل والنحل ـ 1/ 58. وراجع ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ـ ص 50. وراجع عبد الله نعمة: فلاسفة الشيعة ـ ص 646. وحكاية هذا الإلزام أن أبا الهذيل قال للنظام: لو كان كل جزء من الجسم لا نهاية له؛ لكانت النملة إذا دبت على البقلة لا تنتهي إلى طرفها. فتحير النظام .. وذكر ابن المرتضى أنه لما جن عليه الليل نظر إليه أبو الهذيل فوجده قائما ورجله في الماء يتفكر، فقال له: يا إبراهيم، هكذا حال من ناطح الكباش! فقال: يا أبا الهذيل جئتك بالقاطع: إنه يطفر بعضا، ويقطع بعضا. قال أبو الهذيل ما يقطع كيف يقطع؟!
وهذا الإلزام يرد على من يرى انقسام الجزء بالفعل إلى غير نهاية، وفي الحركة المماسة التي يمر المتحرك فيها بكل جزء جزء تباعا. أما من يقول بأن الجسم له نهاية من حيث المساحة، وبأنه لا أجزاء له قبل التجزؤ، وبأن الجزء قابل للتجزئة إلى غير نهاية بالقوة لا بالفعل؛ فلا يرد عليه مثل هذا الإلزام، ولا يحتاج إلى ذكر الطفرة التي لم ترفع الإلزام في محله أصلا.