وأقل ما يفيده هذا النص أن هشام بن الحكم لم يكن يعتقد أن الأجسام متماثلة، فمعنى الجسمية التي يعتقدها في الله ــ تعالى ــ لا يماثل معنى الجسمية في خلقه؛ بل أجسام الخلق عنده منها ما هو لطيف، ومنها ما هو كثيف، ولكل أحكامه [1] . أما الجسمية التي ينسُبُها إلى الباري ــ جلَّ وعلا ــ فلا تعني إلا الوجود.
وقد قال أبو محمد بن حزم: «ومن قال: إن الله ــ تعالى ــ جسم لا كالأجسام؛ فليس مشبها لكنه ألحد في أسماء الله ــ تعالى ــ إذ سماه ــ عزَّ وجلَّ ــ بما لم يُسَمِّ به نفسَه. وأما من قال: إنه ــ تعالى ــ كالأجسام؛ فهو ملحد في أسمائه ــ تعالى ــ ومشبه مع ذلك» [2] . ولهذا عَدَّ أبو المعين النسفي الماتريدي هشامَ بنَ الحكم ضِمنَ المخالفين في الاسم والعبارة دون المعنى حينما تكلم عن المجسمة [3] ، وذكر في موضع آخر أن ذلك الرأي يمثل إحدى روايتين عن هشام؛ فقد نسب إليه أيضا ما يفيد أنه ضالع في التجسيم بالمعنى [4] . وإني لأحسب ذلك فيما يترجح عندي حكاية إلزامات لا حكاية أقوال، وسيأتي بيان ذلك.
(1) - راجع الأشعري: مقالات ـ 1/ 131، 132.
(2) - ابن حزم: الفصل ـ 2/ 94، 95.
(3) - راجع أبا المعين ميمون بن محمد النسفي (تـ508هـ) : تبصرة الأدلة في أصول الدين ـ 1/ 120.
(4) - راجع السابق: التمهيد لقواعد التوحيد ـ ص 141.