الصفحة 45 من 149

وأول ما يمكننا أن نستنبطه من هذا النص: أن هشاما لم يكن نافيا لحقيقة معاني ما أثبته مثبتو الأعراض؛ لكنه أثبتها صفات للأجسام بحيث لا تكون قسيمة لها في الوجود، ولا مغايرة لها مستقلة عنها، وإن كانت معاني مستقلة عن الأجسام في المفهوم [1] ، كما قال الكلابية والأشعرية والماتريدية في تصورهم للعلاقة بين الصفات الإلهية والذات فيما بعد: «ليست هي الذات وليست غيرها» [2] ..

(1) - وفي مروج الذهب ـ 4/ 21، 22 ذكر المسعودي مناظرة بين هشام بن الحكم وأبي الهذيل العلاف الذي قال فيها لهشام: من أين قلت: إن الصفة ليست الموصوفَ ولا غيره؟ قال هشام: من قبل أنه يستحيل أن يكون فعلي أنا، ويستحيل أن يكون غيري؛ لأن التغاير إنما أوقِعُهُ على الأجسام والأعيان القائمة بأنفسها. فلما لم يكن فعلي قائما بنفسه، ولم يجز أن يكون فعلي أنا؛ وجب أنه لا أنا ولا غيري. وعلة أخرى أنت قائل بها: زعمت يا أبا الهذيل أن الحركة ليست مماسة ولا مباينة؛ لأنها عندك مما لا يجوز عليه المماسة ولا المباينة؛ فلذلك قلت أنا: إن الصفة ليست أنا ولا غيري. وعلتي في أنها ليست أنا ولا غيري علتك في أنها لا تماس ولا تباين. فانقطع أبو الهذيل ولم يرد جوابا. انتهى. وقد ذكر الأشعري مذهب أبي الهذيل في الحركة كما جاء في هذه المناظرة بلا مخالفة .. راجعه: مقالات ـ 2/ 49، 50.

(2) - فيما يتعلق بالكلابية انظر الأشعري: مقالات ـ 1/ 250، 350. وقد تابعهم الماتريدية على ذلك في جميع الصفات الإلهية بلا فصل، وفصل الأشعرية بين صفات الذات التي قالوا فيها بهذا القول وصفات الفعل التي جعلوها بائنة عنه ـ تعالى ـ مخلوقة محدثة متعلقة بصفة القدرة، لتوحيدهم بين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق .. راجع بحثي: تطور مفهوم الوحدة الإلهية ـ ص 260، 261، 271، 274، 275.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت