د ــ المداخلة .. لقد جَسَّم هشام بن الحكم بعضَ ما أثبته أكثر المتكلمين أعراضا؛ فزعم أن الألوان والطعوم والأراييح أجسام [1] ؛ فهو يرى أن الأجسام منها ما هو لطيف رقيق ومنها ما هو كثيف، ويبدو أنه عدَّ الألوان والطعوم والأراييح من القسم الأول؛ فأجاز لأجسام هذا القسم أن تتداخل في المكان الواحد، وأجاز أيضا أن يداخل اللطيف الكثيف؛ ليكون اللون في المتلون، والطعم في الذائق، والرائحة في الشامِّ. وقد روى الكليني بإسناده أن هشام بن الحكم قال: «وَالْحَوَاسُّ إِدْرَاكُهَا عَلَى ثَلاثةِ مَعَانٍ: إِدْرَاكًا بِالْمُدَاخَلَةِ، وَإِدْرَاكًا بِالْمُمَاسَّةِ، وَإِدْرَاكًا بِلا مُدَاخَلَةٍ وَلا مُمَاسَّةٍ. فَأَمَّا الإدْرَاكُ الَّذِي بِالْمُدَاخَلَةِ؛ فَالأَصْوَاتُ وَالْمَشَامُّ وَالطُّعُومُ. وَأَمَّا الإدْرَاكُ بِالْمُمَاسَّةِ؛ فَمَعْرِفَةُ الأَشْكَالِ مِنَ التَّرْبِيعِ وَالتَّثلِيثِ، وَمَعْرِفَةُ اللِّينِ والْخُشونة، والْحَرِّ والْبَرْدِ. وأَمَّا الإدْرَاكُ بلا مُمَاسَّةٍ وَلا مُدَاخَلَةٍ؛ فَالْبَصَرُ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ الأَشْيَاءَ بِلا مُمَاسَّةٍ وَلا مُدَاخَلَةٍ فِي حَيِّزِ غَيْرِهِ ولا فِي حَيِّزِهِ. وَإِدْرَاكُ الْبَصَرِ لَهُ سَبِيلٌ وَسَبَبٌ، فَسَبِيلُهُ الْهَوَاءُ وَسَبَبُهُ الضِّيَاءُ، فَإِذَا كَانَ السَّبِيلُ مُتَّصِلا بَيْنَهُ وبَيْنَ الْمَرْئِيِّ والسَّبَبُ قَائِمٌ أَدْرَكَ مَا يُلاقِي مِنَ الأَلْوَانِ وَالأَشْخَاصِ ...» [2] .
(1) - انظر السابق ـ ص 117. والشهرستاني: الملل والنحل ـ 1/ 58 في كلامه عن النظام.
(2) - الكليني: أصول الكافي ـ 1/ 99 (كتاب التوحيد ـ باب في إبطال الرؤية ـ حديث رقم 12) .