وقد كان من المناسب لهذا الرأي في القول بالمداخلة أن يفسر هشام بن الحكم وسوسة الشيطان بدخوله إلى قلب الإنسان، وقد ذُكِرَ عن بعض المتكلمين تجويز دخول الجن في جوف الإنسان من خروقه، كما يدخل الماء والطعام في بطن الإنسان وهما أكثف من أجسام الجن، وقالوا: يدخل الشيطان إلى قلب الإنسان حتى يوسوس فيه. لكن هشام بن الحكم ــ مع اعتقاده لطافة أجسام الشياطين [1] ــ وتلميذه إبراهيم النظام الذي يحكى عنه القول بالمداخلة أيضا، لا يجيزان القول بدخول الشيطان قلب الإنسان، ويقولان: إن الشياطين يعلمون ما يحدث في القلوب بالدليل، ومثال ذلك أن تشير إلى الرجل: أقبل أو أدبر. فيعلم ما تريد، فكذلك إذا فعل فعلا عرف الشيطان كيف ذلك الفعل، فإذا حَدَّث نفسَه بالصدقة والبر عرف الشيطان ذلك بالدليل؛ فنهى الإنسان عنه [2] . والمقصود بالدليل هنا العلامة الظاهرة التي تنم عن مخبر الإنسان وباطن عزمه، كما يقال في الفِرَاسَةِ سَواءً بِسَواء [3] .
(1) - في بحار الأنوار للمجلسي ـ 56/ 77 عن هشام بن الحكم في حديث الزنديق أنه سأل الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ فقال له: كيف صعدت الشياطين إلى السماء، وهم أمثال الناس في الخلقة والكثافة، وقد كانوا يبنون لسليمان بن داود ـ عليهما السلام ـ من البناء ما يعجز عنه ولد آدم؟ قال: غُلِّظُوا لسليمان كما سُخِّرُوا، وهم خلق رقيق غذاؤهم التنسم. والدليل على ذلك صعودهم إلى السماء لاستراق السمع، ولا يقدر الجسم الكثيف على الارتقاء إليها إلا بسلم أو سبب.
(2) - انظر الأشعري: مقالات ـ 2/ 122، 123.
(3) - راجع صديق بن حسن القنوجي (تـ1307هـ) : أبجد العلوم ـ 2/ 396.