الصفحة 58 من 149

على حين ذكر الشيخ المفيد أنه حُكِيَ عن هشامٍ في هذه المسألة ما يوافقُ قولَ بني نوبخت والمَرْوِيَّ عن الأئمة، وهو أنَّ الإنسانَ «شَيْءٌ قائمٌ بنفسه لا حجم له ولا حيز، لا يصح عليه التركيب ولا الحركة والسكون، ولا الاجتماع والافتراق، وهو الشيء الذي كانت تسميه الحكماء الأوائل «الجوهر البسيط» ...، وهو شيء يحتمل العلم والقدرة والحياة والإرادة والكراهة والبغض والحب، قائم بنفسه، محتاج في أفعاله إلى الآلة التي هي الجسد ...، وقد يُعَبَّرُ عنه بـ «الروح» ... والمرادُ أنَّ الإنسانَ الذي هو الجوهر البسيط يُسمَّى الروح، وعليه الثواب والعقاب، وإليه تَوَجَّهَ الأمر والنهي والوعد والوعيد» [1] . وهذا لا يتفق مع ما نقله ابن الراوندي من مذهب هشام والنظام إلا في أن الإنسان روح، وأحسب أن ما سبق بيانه من آراء هشام في الفلسفة الطبيعية وفي دقيق الكلام يرجح ما نقله الأشعري والقاضي عن زُرْقَان في النسبة إلى هشام بن الحكم، والذي ذكره الشيخ المفيد من تفصيل مذهبه الخاص ومن مذهب بني نوبخت بعيدٌ كُلَّ البُعد عن فلسفة هشام التي لا تثبت في وجود المحدثات إلا الأجسام وصفاتها. أما الجوهر الذي لا حجم له ولا حيز، ولا حركة ولا سكون، ولا يقبل الاجتماع بغيره ولا الافتراق عنه؛ فلا وجود له عند هشام، وهو إن لم يكن صفة لجسم؛ فهو عدم محض .. إن هذا الرأي لا محل له في فكر هشام ونظرته للوجود، وإن كان يجتمع معه في أن حقيقة الحياة والإدراك والحس والتكليف للروح فقط.

(1) - الشيخ المفيد: المسائل السروية ـ ص 58: 60 (ضمن المجلد السابع من سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت