الصفحة 59 من 149

لقد كان هشام بن الحكم يقول بالمداخلة، والروح جسم لطيف «نور من الأنوار» يداخل البدن الكثيف الموات ويتصرف فيه وبه، وهنا يكون ما صرح الأشعري بنسبته إلى النظام تفسيرا معقولا لرأي شيخه هشام بن الحكم [1] ؛ دون الذهاب إلى أن ذلك الروح قوي حي عالم بذاته. ولعل هناك صلة بين نسبة الإدراك والحس للروح التي هي جسم لطيف ونور من الأنوار من جهة، وبين ما حكاه الجاحظ عن هشام من أنه «كان يزعم أن الله ــ جلَّ وعزَّ ــ إنما يعلم ما تحت الثرى بالشعاع المتصل منه الذاهب في عمق الأرض، ولولا ملامسته لما وراء ما هناك لما درى ما هناك، وزعم أن بعضه يشوب وهو شعاعة، وأن الشوب محال على بعضه. (قال الأشعري) : ولو زعم هشام أن الله ــ تعالى ــ يعلم ما تحت الثرى بغير اتصال ولا خبر ولا قياس كان قد ترك تعلقه بالمشاهدة وقال بالحق» [2] .

الشوب هو المخالطة، ويمكننا أن نقول هنا: «المداخلة» . وفي بيان تلك الصلة قد نُساق إلى القول بأن هشاما قاس الغائب على الشاهد، وطرد تصوره لإدراك الإنسان البصري في حق الله ــ جلَّ وعلا ــ مُعتقدا أنه لا يبصر ما تحت الثرى لانقطاع سبيل الإبصار وسببه؛ فكان علمه أو إدراكه لما تحت الثرى باتصال شعاع نوره الذاهب في عمق الأرض؛ ليكون إِدْرَاكًا بِالْمُدَاخَلَةِ، وقد يُرشِّحُ ذلك ما ينسب إليه من القول بحدوث العلم الإلهي، وما يُحكَى من أن هشاما كان يقول في الله ــ تعالى ــ: إنه نور ساطع يتلألأ [3] . ولو كان ذلك صحيحا لكان الأولى بالجاحظ المبالغ في التنزيه أن يتهم هشام بن الحكم باعتقاد الحلول أيضا!!

(1) - راجع الأشعري: مقالات ـ 2/ 26. وراجع النشار: نشأة الفكر الفلسفي ـ 2/ 192.

(2) - عن الأشعري: مقالات ـ 1/ 108، 293، 2/ 182.

(3) - راجع الأشعري: مقالات ـ 1/ 106. وراجع البغدادي: الفرق بين الفرق ـ ص 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت