وإني لأحسب أن الخلاف بين هذه الآراء في حقيقة الإنسان لا يرجع إلى تعدد الإطلاق في القرآن فقط، ولا إلى مجرد الاجتهاد المستقل في فهمه؛ ولكن إلى الخلاف في تحديد المُحْكَم والمتشابه الذي يُحمَل عليه في هذه المسألة، وهنا تكون الحاجة لمعرفة ثقافة المتكلم التي قادته إلى إيثار تصريح قرآني مُعَيَّن على أنه هو المُحْكَم في بيان حقيقة الإنسان، وأن ما عداه من المتشابه. وهشام بن الحكم يُسلِّم بإطلاق لفظ الإنسان على البدن والروح؛ لكنه يرى البدن جسما كثيفا ميتا، ويرى الحقيقة الحية المدركة الحاسة الفاعلة هي الروح فقط، وهنا يمكننا أن نلمح أثر ثقافة هشام الأولى حينما كان من أصحاب أبي شاكر الديصاني [1] .
ز ــ المعرفة .. روى الكليني بإسناده عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ــ عليه السلام ــ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ يَرْوِي عَنْكُمْ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ صَمَدِيٌّ نُورِيٌّ، مَعْرِفَتُهُ ضَرُورَةٌ يَمُنُّ بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِه [2] .
(1) - راجع الأشعري: مقالات ـ 2/ 27. وراجع القاضي عبد الجبار: تثبيت دلائل النبوة ـ 1/ 225. وأبو شاكر أحد الزنادقة الذين عاشوا في زمان الإمام الصادق، وله معه كلام في إثبات الصانع. وهو منسوب إلى الديصانية القائلين بالنور والظلمة .. قال محمد بن إسحاق النديم: «إنما سمي صاحبهم بديصان باسم نهر ولد عليه، وهو قبل ماني. والمذهبان قريب بعضهم من بعض، وإنما بينهما خلف في اختلاط النور بالظلمة ...» . وذكر أن الديصانية على فرقتين: الأولى: تزعم أن النور خالط الظلمة باختيار منه. والثانية: تزعم أنه شابكها بغير اختيار .. انظر النديم: الفهرست ـ ص 402.
(2) - الكليني: أصول الكافي ـ 1/ 104 (كتاب التوحيد ـ باب النهي عن الجسم والصورة ـ حديث رقم 1) .