وفي نص وحيد نقل الأشعري عن أصحاب هشام بن الحكم أنهم «يزعمون أن المعارف كلها اضطرار بإيجاب الخلقة، وأنها لا تقع إلا بعد النظر والاستدلال، يعنون بما لا يقع منها إلا بعد النظر والاستدلال العلم بالله ــ عز وجل» [1] .
والأشعري يستعمل لفظ «الاضطرار» هنا قبالة لفظ «الكسب» ؛ فهل هذا المذهب الذي يحكيه عن أصحاب هشام هو المذهب نفسه الذي حكاه القاضي عبد الجبار عن بعض أصحاب المعارف من المعتزلة فيما بعد؟ أعني الذين قالوا بأن المعارف تحصل بطبع المحل عند النظر، وأوجبوا النظر لكن على غير وجه القائلين بأن المعارف كسبية [2] .
لقد سبق أن نقلت عن الأشعري أن جمهور الروافض يقولون بأن المعارف كلها اضطرار، وأن النظر والقياس لا يؤديان إلى العلم، ومن جملة هؤلاء صاحب الطاق، وأشرت إلى مخالفة زُرَارة وهشام لذلك. وقد روى الشيخ الصدوق بإسناده عن هشام بن سالم قال: «حضرت محمد بن النعمان الأحول فقام إليه رجل فقال له: بم عرفت ربك؟ قال: بتوفيقه وإرشاده وتعريفه وهدايته. قال: فخرجت من عنده فلقيت هشام بن الحكم فقلت له: ما أقول لمن يسألني ويقول لي: بم عرفت ربك؟ فقال: إنْ سأل سائل فقال: بم عرفت ربك؟ قلت: عرفت الله ــ جل جلاله ــ بنفسي؛ لأنها أقرب الأشياء إليَّ، وذلك أني أجدها أبعاضا مجتمعة، وأجزاء مؤتلفة، ظاهرة التركيب، متبينة الصنعة، مبنية على دروب من التخطيط والتصوير، زائدة من بعد نقصان، وناقصة من بعد زيادة ...، واستحال في العقول وجود تأليف لا مؤلف له، وثبات صورة لا مصور لها؛ فعلمت أن لها خالقا خلقها، ومصورا صورها، مخالفا لها على جميع جهاتها» [3] .
(1) - الأشعري: السابق ـ 1/ 124.
(2) - انظر عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة ـ ص 67.
(3) - الصدوق: التوحيد ـ ص 210. وانظر المجلسي: بحار الأنوار ـ 3/ 49، 50.